Currently Empty: 0 $

التخطيط الحيّزي والممارسة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين
الكاتب: راسم محيي الدين خمايسي
مقدمة
توَّجت الحركة الصهيونية مشروعها بإقرار ما يعرف بـ «قانون القومية عام 2018» من البرلمان الإسرائيلي، الذي حدد بصورة معلنة ماهية رواية وطبيعية دولة إسرائيل العرقية الكولونيالية. حيث أعلن القانون بصورة واضحة مكانة الاستيطان بوصفه قيمةً وذراعًا لتحقيق ماهية المشروع الصهيوني في فلسطين والسيطرة على القدس ومحيطها لتكون قلب الشعب اليهودي ودولة إسرائيل الحديثة. هذا ما أكده القانون في البند 7 حين ذكر: «تعتبر الدولة تطوير استيطان يهودي قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته»[1]. هذا الاستيطان جاء لإنجاز تعريف ماهية الدولة بإعلانه أن: «دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وفيها يقوم بممارسة حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير». هذه الدولة أقيمت في مكان يسعى إلى الربط بين ماضٍ توراتي تلمودي ومستقبل حداثي. بهذا الشأن أعلن القانون في البند 1 (أ) وكجزء من المبادئ الأساسية أن: «أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وفيها قامت دولة إسرائيل». وكجزء من توثيق الارتباط بين الذات اليهودية، والرواية التوراتية التلمودية والمكان/فلسطين وقلبها القدس، حدد القانون بالبند 3 أن: «عاصمة الدولة: القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل». كقانون أساس لم يحدد حدود المكان مثل: أرض إسرائيل، ودولة إسرائيل، والقدس الكاملة والموحدة؛ هذه المسميات بقيت من دون تعريف محدد مغلق، بل تركت لحال تحدده الظرفية المتغيرة، والمتحولة والمتعلقة بتوافر موارد قوة الحركة الصهيونية وذراعها دولة إسرائيل وقدرتها على السيطرة التراكمية المتحركة على المكان/الأرض. لإحكام السيطرة على المكان، استخدمت دولة إسرائيل إرثًا تاريخيًا دينيًا، أعادت إحياءه وصوغه وإدارته من جانب مؤسسات ناظمة وموجهة قبل قيام الدولة الإسرائيلية الحديثة والذي حدد وأوضح معالمها قانون القومية 2018، واستثمرت الدولة العرقية الحديثة هذا الإرث وقوتها لتثبيت السيطرة على المكان ودحر السكان المحليين الأصلانيين، الفلسطينيين، منه باستخدام مصفوفة ضبط ذكية، تحتوي على مركبات وأدوات خشنة وناعمة[2]. هذه المصفوفة ما زالت متحركة ومُطَوَّعة لخدمة تحقيق الأهداف التي لخصها قانون القومية.
يعرض هذا المقال موجزًا للإطار المعرفي لماهية التخطيط الحيّزي وتوظيفه لإنجاز الاستعمار بوجه عام والمشروع الصهيوني بوجه خاص. ثم ننتقل إلى رصد التحولات في استخدام التخطيط الحيّزي لصوغ توزيع وانتشار مستوطنات المشروع الصهيوني في فلسطين خلال مراحله المختلفة، وبعدها نعرض سمات وملامح عقيدة ومدرسة التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي، وأدوات إنجازه. يتخلل متن المقال عرض نماذج تطبيقية لاستخدام التخطيط الحيّزي لإقامة وتثبيت وتطوير الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الهجين في فلسطين كجزء من إنجاز قانون القومية، وحصر وأسر الوجود الفلسطيني وإعاقة تنميته في الوطن.
أولًا: جدلية الاستعمار والتخطيط الحيّزي
بصورة عامة يعرَّف الاستعمار على أنه احتلالٌ وسيطرةُ قوّةٍ أجنبيةٍ على أراضي شعبٍ آخر ومقدراته، حيث تقوم القوى الأجنبية المستعمِرة بالسيطرة على مناطق أو أراضي دولة ضعيفة وتهجير شعبها واستغلال مواردها الطبيعية والبشرية، إضافة إلى فرض لغة وثقافة الدولة المستعمِرة على السكان الأصليين المستعمَرين[3]. لقد استَعْمَرت الدول الأوروبية مناطق متعددة، حيث سيطرت وهيمنت ونقلت موارد من المناطق المُستَعمَرة إلى الدول المُستعمِرة، وأقامت بها مستوطنات بشرية في أطراف المدن إضافة إلى مستعمرات قروية ومزارع[4]. تميَّز نمط الاستعمار الحديث بوجود دولة أُم قوية تمثل مركز الاستعمار وقلبه، ترسل أذرعها إلى المناطق المستعمَرة الضعيفة[5]. هناك أنواع من الاستعمار، منها الاستعمار الاستيطاني، الذي من خلاله يقوم شعبُ دولةٍ قوية مستعمِرة بالهجرة إلى بلدٍ آخر للاستيطان والعمل فيه، وتطبيق محاولات طرد السكان الأصليين منه مع بقاء المستعمرة تابعة بشكلٍ كاملٍ لحكومة البلد الاستعماري الأم[6]. أما الاستعمار الاستغلالي، الذي من خلاله يقوم المستعمِر بإرسال أعداد قليلة من المستعمِرين إلى البلدان الجديدة وعدم تهجير السكان الأصليين من مناطقهم، بل إجبارهم على العمل لمصلحة المستعمِر في محاولةٍ لاستغلال موارد الأراضي الجديدة وخيراتها وثرواتها ونقلها إلى البلد الأم المستعمِر. كما أن بعض الباحثين صنفوا نوعين إضافيين من الاستعمار، وهما[7] الاستعمار البديل الذي تقوم فيه إحدى الدول الاستعمارية بتشجيع مجموعةٍ عرقيةٍ أو دينيةٍ على استعمار منطقةٍ تسيطر عليها مجموعةٌ عرقيةٌ أخرى؛ والاستعمار الداخلي، الذي تقوم بموجبه مجموعةٌ أغلبية داخل الدولة باستغلال قوتها ونفوذها لاحتلال مناطقَ تابعة لمجموعاتٍ إثنية/عرقية تمثل أقلية ضعيفة. تطبيق هذا الاستعمار على صنوفه المختلفة، وفي الغالب، لم يكن موجهًا بموجب تخطيط حيّزي ملزم.
سبق الاستعمار الحديث نشوء التخطيط الحيّزي المُنَظم والمقونَن والمعلن. هذا التخطيط تطور مع سيطرة الفكر الحداثي العقلاني الذي نشأ في عصر النهضة. كما أن ظهور مشاكل التمدُّن المتسارع وانتفاخ المدن أصبح بحاجة إلى التدخل التخطيطي الحيّزي لحل هذه المشاكل أو إدارتها وتخفيف أضرارها. كما كشف هذا التمدُّن عن الحاجة السريعة إلى تدخل الدولة لترشيد استخدامات الأراضي وحل المشاكل الحضرية من خلال وضع سياسات ومخططات إنجازية تتدخل بواسطتها الحكومات المركزية والمحلية. بدأ العمل بالتخطيط الحيّزي الرسمي الناظم كجزء من السياسات العامة التي تصوغها الدولة للتدخل في عمليات التطور الجارية في محيط معيَّن (منطقة/دولة) لتحقيق أهداف الدولة المركزية في بداية القرن العشرين، وبخاصة بعد أن سُن أمر تنظيم المدن 1909 في بريطانيا، ونقل إلى المستعمرات التي خضعت لها، مثل نيجيريا والهند والباكستان، ولاحقًا فلسطين عام 1921 [8]. يعود أمر تنظيم المدن هذا إلى تأسيس مؤسسات تخطيط مركزية، تُعِد مخططات للمدن والأقاليم، تقرّها، وتفرضها على المجتمع المحلي وتراقب إنجازها[9]. بموجب فرض أمر/قانون التخطيط يتم تحديد استخدامات الأراضي في الحيّز (المديني والقروي)، ومنع أي بناء أو تطوير حيّزي من دون إذن/ رخصة من مؤسسات التنظيم التي تمثل جزءًا من تطبيق قوة الدولة لتحقيق سياساتها الحيّزية للسيطرة على موارد الأرض وما يمكن أو يمنع البناء عليها[10]. يتم إصدار رخصة بناء وإقرار مخططات هيكلية من جانب مؤسسات التخطيط المُشَكلة من الدولة، التي هي جزء من مؤسساتها الإدارية العاملة، لتحقيق سياساتها وتوفير مصالحها. بعد تأسيس مؤسسات التخطيط وفرض عملية إقرار المخططات، أصبح التخطيط الحضري الرسمي أداة طيّعة بيد الدولة للسيطرة على الحيّز وبسط قدرتها وهيمنتها على توزيع الموارد وللسماح أو لمنع البناء والتطوير في مكان معين أو لفئة سكانية محددة. هكذا أصبح للتخطيط الحضري والحيّزي قوة تستخدمه الدولة من أجل حفظ المصلحة والأمن العام، وأن هدفه ترشيد استخدام الموارد لمنفعة السكان، على أساس أن قاعدة المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة وأهم منها، وأن المنفعة الخاصة تتضمن في المنفعة العامة. بموجب هذه القاعدة استخدمت الدول الاستعمارية سلطتها وأذرعها المُنشأة من الدولة المركزية والمحلية، التخطيطَ الحيّزي لتحقيق أهدافها.
استخدم الاستعمار التخطيط الحيّزي التوجيهي الذي صيغ قبل التخطيط الرسمي، للوصول والسيطرة على مصادر الثروات في المستعمرات. وبموجب خطط توجيهية عامة، قام المستعمِر بنشر نشاطه الاستعماري، ولاحقًا ثبته بواسطة إقرار تخطيط رسمي مقونن. جدلية العلاقة بين الاستعمار والتخطيط التوجيهي المترجم لأهدافه، وتحويله إلى مخططات حيّزية رسمية استمرت، وهي موجودة حتى الآن في كثير من الدول حتى في مرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي. تعدّ المخططات التوجيهية الحيّزية التي تترجم أهداف الدولة، استراتيجياتها ورغباتها في توزيع أو تركيز الموارد والسكان، بما في ذلك شبكة الاستيطان البشري المديني والقروي وشبكات المواصلات الخادمة والمغذية لها. هذه المخططات التوجيهية عبّرت عن رؤى وأفكار وطموحات ومصالح تترجم في بعض الأحيان إلى مخططات حيّزية رسمية ملزمة ومحددة لاستخدامات. وفي حالات أخرى تستخدم الدولة المركزية المخططات التوجيهية كبوصلة عمل الدولة لتحقيق روايتها، وأهدافها وسياساتها. بموجب هذا المنهج سلكت الحركة الصهيونية لتحقيق مشروعها في فلسطين.
ثانيًا: خاصية استعمار المشروع الصهيوني
أنشأت الحركة الصهيونية مشروعًا حداثيًا يعتمد على رواية وعقيدة دينية مرتبطة بمكان، وأعادت صوغ هذا المشروع وأنتجته مهندَسًا ومهجَّنًا ليتناسب مع مفاهيم الدولة الحديثة، ذات المنشأ المفاهيمي الأوروبي الاستعماري الحداثي. وعى روّاد الحركة الصهيونية الظرفية التي نشأوا بها وصاغوا رؤية وأهدافًا تحاول أن توازن بين التناقضات في المصالح بين القوى الاستعمارية الأوروبية بالأساس، وبناء علاقات معها، تم توظيفها لخدمة إنجاز مشروعها الكولونيالي لإحياء الرواية والعقيدة الدينيتين. هذا المشروع مبرر أخلاقيًا بحق تاريخي مكتسب، منشئ لواقع ديمغرافي وجغرافي يعتمد على التفضيل الإثني – الديني – القومي – المواطنة في فلسطين. لإنجاز هذا المشروع وفقت الحركة الصهيونية وجانست بين لغتها وسلوكها وبين المشروع الأوروبي الحداثي، وبخاصة أن رواد الحركة الصهيونية ومنتجي فكرها وسلوكها نشأوا وتكوّنوا في حاضنة الفكر والممارسة الأوروبية، رغم التنوع والاختلاف فيما بينها شكلًا ومضمونًا[11]. هذا الفكر الحداثي كما أشرنا أنتج التخطيط الحيّزي المقونن كجزء من مفاهيم الإدارة العامة لترشيد إدارة الموارد وعقلنتها ضمن منطق يحقق أهداف الدولة والمجتمع الحداثي.
استثمرت الحركة الصهيونية، الأوروبية المنشأ، وضع تطوير فكر مستقبلي منشود لحل مشكلة عرقية – إثنية حالية تتلخص بـ «المسألة اليهودية»، وحاجة هذه المجموعة إلى ترجمة روايتها المبنية على عقيدة دينية لإقامة وطن قومي تحكمه دوله عرقية – إثنية. هذه الرواية مبنية على الانتماء إلى ماضوية توراتية تلمودية كوعاء جامع لتثبيت حالة أخلاقية جماعية، لبناء دولة عرقية - إثنية مستقبلية باستخدام قوة الدولة الحديثة للسيطرة على الموارد وبخاصة الأرض – الحيّز في ظل توافق مصالح بين دول أوروبية استعمارية وبين الحركة الصهيونية وتناقضها العميق مع الدولة العثمانية والحضارة العربية الإسلامية السائدة في فلسطين. هكذا تمكنت الحركة الصهيونية من استغلال حالة الاستعمار الأوروبي، بما في ذلك العداء مع الدولة العثمانية وضعفها، لصوغ مشروع مهجن يربط بين الرواية والعقيدة الدينية التوراتية والحداثة الأوروبية لإنجاز استعمار صهيوني له خصوصية ظرفية في فلسطين. هذا الاستعمار وَظَّف التخطيط التوجيهي الحيّزي، وصاغه كمشروع جيوسياسي مدعوم من الاستعمار الأوروبي البديل. ولاحقًا استخدم التخطيط الحيّزي الرسمي لإحكام سيطرته وهيمنته على المكان، فلسطين (انظر الشكل الرقم (1)).
الشكل الرقم (1)
جدلية العلاقة بين الرواية والعقيدة الدينية التوراتية التلمودية وبين التخطيط الحيِّزي الموجَّه والرسمي كجزء من سمات خصوصية المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين

ثالثًا: تخطيط الحيّز الصهيوني من السيطرة وفرض السيادة إلى الانتقائية العرقية
تُظهر هذه الدراسة تطوُّر حال الاستعمار الصهيوني في فلسطين أنه متحوِّل، متأقلم ويتناسب مع الحال التي صاغها وأنتجها في فلسطين لكي يحقق الرواية والعقيدة الدينية المصاغة، المرتبطة بالمكان، مستخدمة القوة لتحقيق أهدافها، منتهزة الفرص أو صانعة لها لتكون جزءًا من استعمار أوروبي بديل. يمكن أن نقسم تطبيق المشروع الاستعماري الصهيوني إلى ثلاث مراحل رئيسة: الأولى قبل قيام إسرائيل عام 1948، وهي يمكن تقسيمها بدورها إلى مرحلتين رئيسيتين: «مرحلة الاستيطان الخيري» قبل عام 1917، ومرحلة الاستيطان القومي الجيوسياسي الموجّه بموجب تخطيط توجيهي ورسمي بين 1917 و1948. أما المرحلة الثانية فهي بعد قيام إسرائيل وحتى عام 1967. والمرحلة الثالثة هي بعد عام 1967 حتى اليوم. يمكن تقسيم المرحلتين الثانية والثالثة أيضًا إلى مراحل ثانوية سنتعرض لها بإيجاز مركّزين على جدلية العلاقة بين الاستعمار والتخطيط الحيّزي.
سمات التخطيط الحيّزي الصهيوني منذ بدايته في فلسطين، ولاحقًا الصهيوني الإسرائيلي بعد إقامة الدولة الأم في فلسطين، كمركز الشعب لليهودي في العالم من ناحية، ومن ناحية أخرى وكمركز وقلب للاستيطان الاستعماري في الأراضي التي احتلت بعد عام 1967 من ناحية ثانية، تتركز بالملامح التالية، التي سعت لخلق بؤر سيطرة، تتوسع وتمتد على مساحات يتم ضمها عمليًا بواسطة بسط السيادة الرسمية والعملية على نحوٍ انتقائي، على أساس الانتماء العرقي ولاحقًا الإعلان عنها لتخضع للسلطة الإسرائيلية؛ هذا ما حدث حتى تم تأسيس واستقلال الدولة الأم، إسرائيل، بما في ذلك احتلال أراضٍ وضمها إلى الدولة اليهودية حتى خط الهدنة 1949، أو ما يعرف بالخط الأخضر، وتبعها احتلال أراضٍ عربية عام 1967، وضم القدس الشرقية 1967، وهضبة الجولان 1980، واليوم يتم الحديث عن ضم غور الأردن استمرارًا في تطبيق الاستعمار الصهيوني الهجين.
رابعًا: السيطرة وفرض السيادة والضم الزاحف
تم استخدام التخطيط الحيّزي التوجيهي ومؤسساته وأدواته لتحقيق الرواية التوراتية التلمودية وعرضها بلباس حداثي عصري مدني. هذه الرواية تهدف إلى بناء الذات الجمعية اليهودية الصهيونية وتأسيس مقولة أنه صاحب حق أخلاقي. أما اللباس الحداثي فيُمَكِّن الدولة، بوصفها الجسم الاعتباري، صاحبة الصلاحية والمسؤولية لإدارة الحيّز. وبناء على ذلك يصبح لها الحق الأخلاقي في استخدام التخطيط الحيّزي كإحدى أدوات الدولة الحديثة للسيطرة على استخدامات الأراضي في الحيّز لتأمين المصالح والمنافع العامة، حتى ولو كان على حساب الفرد. وبما أن الحركة الصهيونية ولاحقًا دولة إسرائيل، تمثل الجمع اليهودي الصهيوني، لذا فإن التخطيط الحيّزي جاء ليحقق مصالحها ومشروعها، بما في ذلك من خلال أنماط الاستيطان الذي شمل مستوطنات زراعية تعاونية واشتراكية.
إن ربط التخطيط الحيّزي بين توافر الأرض بملكية أو بسيطرة الحركة الصهيونية، ولاحقًا دولة إسرائيل، وبين تطبيق إقامة المستعمرات العرقية يحدث بموجب تخطيط حيّزي توجيهي ويتم تبنّيه وإقراره رسميًا من مؤسسات الدولة. صحيح أن التخطيط الحيّزي تجاوز حدود الأرض التي تم امتلاكها والسيطرة عليها، لكن هذا التخطيط التوجيهي شكل بوصلة موجهة كذلك لامتلاك الأرض لخلق تواصل وامتداد بين مستعمرات عرقية، هذه المستعمرات تزحف باتجاه أراضٍ إضافية للسيطرة وتأسيس كتلة استيطانية مع حيّز أراضي مغذٍّ لها ويمكنها من التوسع وتحويلها إلى وحدة جيوسياسة لاحقًا. هذا النهج استمر بعد إقامة الدولة التي تمكنت من احتلال أراضٍ واسعة، ومصادرة أراضٍ، وتملُّكها بقوة قوانين الدولة، والتخطيط عليها أو منح الوكالة اليهودية حق ممارسة التخطيط الحيّزي وإقامة مستعمرات عرقية وتثبيت سيطرة الدولة عليها التي تمارس عليها واقع الضم الزاحف والسيادة الانتقائية، كما هو حاصل حاليًا في شأن المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفي هضبة الجولان السورية. هكذا فإن جدلية الربط العضوي التكاملي بين سياسات الأراضي وبين سياسات التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي، مثَّلت أساس مدرسة وعقيدة Doctrine)) [12] التخطيط الحيّزي وصاغت نماذجه[13]، التي مورست بواسطة هذا التخطيط على المستويات المختلفة والمناطق المتعددة التي خضعت لأنماط الاستعمار الإسرائيلي الصهيوني الهجين.
خامسًا: التخطيط التوجيهي الحيّزي والاستراتيجي
يوجد تكامل بين التخطيط التوجيهي الحيّزي والاستراتيجي أولًا وبين التخطيط الحيّزي الرسمي المقونن الذي يتبعه ويصبح ملزمًا لاستخدامات الأراضي ثانيًا، وتسخير الأول كمقدمة لإنجاز الثاني. قبل قيام إسرائيل صاغت الحركة الصهيونية مخططات تعريفية لوضع حدود «أرض إسرائيل» وفق الرواية التوراتية التلمودية، وتبعتها بتحديد مخططات لمواقع وحيّزات يمكن امتلاك الأرض بها وإقامة مستوطنات عرقية عليها لإشغالها، وتسخير نظام الأراضي ونظام التنظيم والتخطيط الانتدابي الرسمي لتحقيق المخططات التوجيهية. هذه المخططات التوجيهية صاغت وهندست انتشار الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الذي شكل أساسًا لوضع اقتراحات جيوسياسية لتقسيم فلسطين بحسب القرار الأممي 181، لدولة عرقية يهودية وأخرى عربية. وبعد إقامة إسرائيل أعدت عدة مخططات توجيهية حيّزية كان أولها مخطط شارون 1950، تحت عنوان «تخطيط فيزيائي لإسرائيل»، حيث وضع هذا المخطط الملامح والتوجيهات لفقه التخطيط الفيزيائي لإسرائيل الدولة، الذي شمل توزيع السكان اليهود، وإشغال الفراغ الحيّزي الذي خلفه الفلسطينيون بعد النكبة وبعد طردهم، وخلق شبكة متدرجة متوازنة من المدن والقرى اليهودية، ووضع توجيهات لاستيعاب المهاجرين اليهود والسيطرة على الأرض ووضعها في حالة احتياط لإشغالها مستقبلًا لمصلحة المشروع الصهيوني. هذا المخطط ترجم الأهداف الجيوسياسية، الديمغرافية وحتى الأمنية، إلى مخطط فيزيائي توجيهي لعمل مؤسسات الدولة في العقد الأول لقيامها، وأسس لما بعده من صوغ الخارطة السكانية في إسرائيل حتى بداية التسعينيات. قدوم هجرة يهودية كبيرة من الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل مع بداية هذا العقد، ألزم الحكومة الإسرائيلية إعداد مخطط حيّزي توجيهي جديد غَيَّر بعض مركّبات فقه التخطيط التوجيهي الذي صيغ بموجب عقيدة التخطيط التي لخصها مخطط شاورن 1950. ركز المخطط التوجيهي الحيّزي المعدّ في التسعينيات على تطوير منطقة المركز، تل أبيب ومحيطها، وفيها حواضر مدينية – الميتروبوليتان، وعلى توطين وتوزيع مناطق التشغيل كأساس ومحفِّز لدفع توزيع السكان اليهود إلى مناطق الأطراف الجغرافية. هذا المخطط الحيّزي التوجيهي والرسمي، الذي أصبح يعرف باسم «مخطط قطري رقم 31»، مثّل نقطة تحول في التخطيط الحيّزي في إسرائيل وأول مخطط حيّزي قطري شامل يحدد استخدامات الأراضي التي خضعت لسيادة الدولة في حدود الخط الأخضر، وضمت إليها القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية. أما منطقة الضفة الغربية وقطاع غزة فأبقيت خارج حدود المخطط القطري رسميًا، ولكن تعاملت الحكومات الإسرائيلية مع سكان وحيّز المستعمرات اليهودية المقامة فيهما بموجب مخططات توجيهية حيّزية؛ شملت شبكة الطرق، وتموضع المستعمرات، والسيطرة على الأرض وتقطيع شبكة الاستيطان المديني والقروي الفلسطينية؛ أشرفت عليها وزارة الدفاع كذراع حكومية، وصاغتها الوكالة الصهيونية بواسطة قسم الاستيطان التابع لها، الذي ينسق أعماله مع الحكومة الإسرائيلية. لاحقًا أُعد بين عامي 1992 و1997، مخطط توجيهي رئيس شامل يعرف بـ «إسرائيل 2020» ليوجه تطوير إسرائيل الحيّزي والوظيفي حتى عام 2020. هذا المخطط التوجيهي الاستراتيجي تمت ترجمته إلى مخطط هيكلي قطري رسمي شامل مُقَرّ من الحكومة الإسرائيلية وموجِّه وضابط لسياسات التخطيط الحيّزي، مع أنه لا يشمل منطقة الضفة الغربية رسميًا، ولكنه أخذ في الحسبان الاستعمار الصهيوني فيها وظيفيًا وفي مجالات البنى التحتية. وكجزء من استمرار منهجية إعداد التخطيط الحيّزي التوجيهي كأساس وسابق للتخطيط الحيّزي الرسمي الذي يتبناه ويقوننه، يقوم حاليًا طاقم مهني ممثل للجامعات وللقطاع المهني بإعداد مخطط استراتيجي حيّزي لإسرائيل عام 2048، يطلق عليه «إسرائيل 100»[14]. يجدر الذكر أن مدرسة إعداد مخططات حيّزية توجيهية أصبحت نهجَ وسمةَ فقهِ التخطيط الحيّزي الإسرائيلي، بما في ذلك للمستعمرات، وذلك لاستغلال الليونة والانتقائية بحسب الظرفية والانتماء العرقي، بحيث يكون ضابطًا ومانعًا على العرب الفلسطينيين، ولكنه متسامح ومشجع للاستيطان اليهودي وتوسعه في الحيّز.
سادسًا: نظام التخطيط المركزي المتدرج في المناطق الفلسطينية المحتلة
ما زال التخطيط الحيّزي يترنح بين التركُّز في يد الدولة المركزية، والتوزيع وتفويض الصلاحيات من الدولة أو الوكالة الصهيونية لمنظمات أهلية صهيونية للمبادرة بإقامة مستعمرات، ضمن رؤية وتخطيط حيّزي عام يخدم مشروع الدولة. أساس التخطيط الحيّزي الرسمي المركزي هو نظام التخطيط البريطاني الذي صُدِّر للدول والمناطق المستعمرة، بما في ذلك فلسطين التي خضعت لانتداب دام نحو ثلاثة عقود، مارس حكمًا عسكريًا رغم ملامحه المدنية الخدماتية. منح نظام التخطيط المركزي المتدرِّج الدولة القوة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الحيّزية بواسطة تخصيص الأرض وتخطيط الاستخدامات فيها، وبناء مستعمرات وفعاليات تنموية عليها بحسب سياسات الدولة المركزية. فرغم محاولات الدولة الأم الإسرائيلية منح وتفويض صلاحيات تخطيط حيّزي رسمي على المستوي المحلي، إلا أن هذا التفويض ما زال خاضعًا لسيطرة الدولة المركزية التي تمارس حوكمة مركزية في كل ما يتعلق بتخطيط الحيّز وإدارته والسيطرة على الأرض وامتلاكها وتخصيصها بصورة انتقائية على أساس انتماء عرقي وبحسب الموقع الجغرافي لتحقيق رواية الدولة وحماية المشروع الاستعماري الاستيطاني الداخلي في إسرائيل وفي المناطق المحتلة عام 7691 لكي تتوافر الظروف لضمّه رسميًا إلى الدولة الأم، إسرائيل.
تمارس إسرائيل سياسات تخطيط وسياسات إدارة أراضٍ متشابهة مع تلك التي مارستها الحركة الصهيونية قبل إقامة الدولة، واستمرت بها في الضفة الغربية المحتلة. رسميًا ما زالت إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية كـ«مناطق مدارة»، ولا تتعامل معها كمناطق محتلة بموجب القانون والمواثيق الدولية، بل تعمل على تطبيق القانون المحلي الإسرائيلي الذي يستقي قيمه وروايته من القانون العبري، محاولًا مواءمته مع قيم القوانين الليبرالية والنظم الديمقراطية وبخاصة لليهود، أما للفلسطينيين فإنه نظام احتلال استيطاني يمارس منظومة فصل إداري وحيّزي على أساس انتماء عرقي. وفي ما يتعلق بالتخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي في الضفة الغربية فقد أُعدت مخططات حيّزية توجيهية كان أولها مخطط استراتيجي توجُّهي أُعد عام 1970 للسيطرة على منطقة الأغوار، وإقامة مستعمرات يهودية فيها بموجبه كمقدمة للسيطرة عليها والعمل على ضمّها. وبعدها أعدت الوكالة اليهودية مخططات توجيهية لغزو منطقة الجبل وتركيز الاستيطان فيه لتغيير الواقع الاستيطاني[15]. ونجحت الوكالة اليهودية فعلًا، وتبعتها جمعيات يمينية يهودية مدعومة من الوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية مثل غوش إيمونيم[16]، ولاحقًا بمبادرة ودعم الحكومة الإسرائيلية. حاليًا بلغ عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية 441,600 مستوطن صهيوني (يمثلون نحو 14 بالمئة من سكان الضفة الفلسطينية) موزعين بين 132 مستوطنة مقرّة من الحكومة الإسرائيلية ولها مخطط هيكلي مصدق رسميًا، ونحو 140 بؤرة استيطانية إضافية قائمة[17] بموجب مخطط محلي توجيهي، وتطالب بإقرارها من جانب الحكومة الإسرائيلية وأجهزة التنظيم والبناء الرسمية. وإذا أضفنا عدد المستوطنين في القدس الشرقية الذين بلغ عددهم نحو 225 ألفًا عام 2019، موزعين بين 12 مستوطنة وحي بحسب تعريفات بلدية القدس. وهذا يعني أن نحو خُمس سكان الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، هم مستوطنون يهود تتعامل معهم دولة إسرائيل كمواطنين متساوين وأصحاب حقوق كاملة، بما في ذلك الانتخاب والترشح وإدارة مؤسسات الدولة، رغم أنهم مستعمرون يسكنون في أراضٍ محتلة بحسب القانون والمواثيق الدولية[18]. إلا أن الدولة الأم تعدّهم طلائعيين ويحققون مشروع الدولة. ورغم أن الدولة لم تضم الأرض إليها رسميًا، وأبقتها تخضع لمنظومة عسكرية مع ذراع مدنية تدير شؤونهم يوميًا؛ إلا أن هذه المنظومة تخضع بصورة كاملة للخطط، والبرامج، والقرارات والتمويل الصادر من الحكومة الإسرائيلية التي تدير الدولة الأم. على سبيل المثال ما زال قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية لعام 1966 الأردني ساري المفعول كإطار مرجعي لعمل مؤسسات التخطيط والتنظيم العاملة في الضفة الغربية التي تسري على المستعمرات، إلا أن هذا القانون تم تعديله بموجب مراسيم وأوامر عسكرية، لتمكين السيطرة والهيمنة الإسرائيلية الكاملة لتأمين الضم الفعلي رغم إبقاء ملامح الفصل الشكلي. كجزء من عملية الضم الفعلي الزاحف والسيطرة التي تتعلق باستخدام التخطيط التوجيهي والرسمي تلخص في مراحل نشر الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية. المرحلة الأولى نشر استيطان يهودي في منطقة الغور وفي القدس الشرقية، بعدها استيطان في منطقة الجبل ليقطع الامتداد والتواصل الفلسطيني من جنين شمال حتى الخليل كمرحلة ثانية، أما الثالثة فكانت على امتداد الخط الأخضر وعلى سفوح جبال نابلس والقدس الغربية. هذه المحاور الطولية للاستيطان رافقها إنشاء محاور استيطان عرضية مخدومة من شبكة طرق تخدمها[19]، وبذلك نشأت شبكة استيطان قطعت الضفة الغربية، وأخضعتها للضم الفعلي. من أجل تحقيق هذا الضم أقامت الدولة الأم المحتلة منظومة من الأجهزة لتسيطر على الحيّز كجزء من مصفوفة الضبط التي تتمثل بتقسيم الحيّز إلى مناطق نفوذ بلديات، مجالس محلية ومجالس إقليمية إسرائيلية، تسيطر على 63 بالمئة من مساحة المنطقة ج[20]. هذه السلطات المحلية التي تدير شؤون المستعمرات المحلية في الضفة الغربية هي جزء من مركز الحكم المحلي الإسرائيلي وتابعة له. هكذا تكونت منظومة من التخطيط والإدارة للحيّز في الضفة الغربية تمثل عمليًا جزءًا عضويًا من المنظومة الإسرائيلية ومصفوفة الضبط الحيّزي الذي تمارسه من دون الاكتراث للفوارق الجيوسياسية والمكانة المتنوعة للأراضي الفلسطينية والسكان الفلسطينيين الذين يخضعون لسيطرتهم، بل تطبق عليهم العقيدة والمدرسة وأدوات التخطيط نفسها في ظل واقع وفصل شكلي إجرائي جيوسياسي متنوع وتكامل وتراكم بتطبيق ماهية مصفوفة الضبط الممارسة بواسطة التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي.
سابعًا: التخطيط الديمغرافي
وضبط السكان العرب الفلسطينيين
مركب مركزي في ماهية ملامح عقيدة التخطيط الحيّزي التوجيهي ومدرسته وأدواته، التي مكنته من تحقيق مشروعه الصهيوني الاستعماري التراكمي، هو حصر السكان العرب الفلسطينيين الأصلانيين وضبطهم في وطنهم. هذا الحصر بدأ مع تحوُّل المشروع الصهيوني من استيطان حيِّزي إلى استعمار استيطاني في ظل الانتداب البريطاني. وبعد قيام إسرائيل قسمت الأرض الفلسطينية ومعها حال العرب الفلسطينيين ومكانتهم، حيث بقي في الوطن الذي خضع للسيادة الإسرائيلية بإقرار دولي، ولاحقًا باعتراف بعض الدول العربية، نحو 156 ألف عربي فلسطيني تحولوا من أغلبية ذات طموح لنيل استقلالها وإقامة دولة وطنية فلسطينية، إلى أقلية قروية مضطهدة مشرذمة بين أربع مناطق (الجليل، المثلث، النقب والمدن الساحلية)، وتسكن الأطراف الجغرافية للدولة العرقية الحديثة[21]. المخطط الحيّزي لشارون 1950، تجاهل هذه الحالة وتعامل معها كأنها مؤقتة، وسعى إلى تهويد حيّزها وعبرنتها بواسطة إقامة مستعمرات يهودية على أراضيها. بداية التعامل مع وجودها كان بعد عام 1957، بعد أن أعدت مخططات التوزيع الجغرافي للسكان في إسرائيل[22]، بما في ذلك المخططات الحيّزية الشاملة مثل مخطط قطري رقم 31، 1992؛ ومخطط قطري رقم 35، 2005، ومخطط رئيس إسرائيل 2020.
يمكن الإيجاز بأن هذه المخططات الحيّزية وتوجيهاتها الإقليمية والمحلية تجاه العرب الفلسطينيين كانت مبنية على التجاهل، تبعها الإقرار بوجودها الجزئي، ولكن تتعامل معها كمشكلة ومعوّق لتحقيق المشروع الصهيوني ومتحدية له رغم حال الضعف التي آلت إليه قسرًا. لذا هدفت هذه المخططات التوجيهية والرسمية إلى تقطيع الامتداد القروي والمدني العربي الفلسطيني عبر إقامة مستعمرات يهودية قروية مدارة من مجالس إقليمية تسيطر على الأرض، كما حال المجلس الإقليمي لمسغاب الذي أقيم عام 1982 كجزء من خدمة نحو 30 مستعمرة أقيمت كجزء من مشروع استعمار داخلي لتهويد الجليل. هذا المجلس يمتد على مساحة نحو 164.5 كلم2 في قلب الجليل، وتلامس حدوده 28 بلدية عربية فلسطينية ليحول دون تواصلها الإقليمي[23].
إضافة إلى السيطرة على الأرض والتقطيع الإقليمي تهدف المخططات إلى تأمين أغلبية – أو على الأقل توازن ديمغرافي – لمصلحة اليهود، ولهذه الغاية أقيمت مدن يهودية وسطية جديدة في محيط الحيّزات التي تتركز بها البلدات التي يسكنها العرب الفلسطينيون كما شأن مدينة كرمئيل ونتسرات عليت (نوف هجليل حاليًا) في الجليل وعراد وديمنة في النقب، وحريش، تسور يتسحاك وكوخاف يئير ورأس العين في منطقة المثلث. وعلى المستوى الإقليمي والبلدي يستخدم التخطيط الهيكلي المحلي كأداة طيّعة بيد الدولة والحركة الصهيونية لحصر الامتداد العمراني للبلدات العربية وتقليص فرص تطورها لزيادة اعتمادها وتبعيتها اقتصاديًا على البلدات والمستعمرات اليهودية المجاورة.
مبادئ التخطيط الحيّزي وعقيدته ومدارسه وأدواته التي تمارسها السلطات الإسرائيلية في التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي تجاه مواطني الدولة العرب الفلسطينيين، بما في ذلك ما يتعلق بالقرى العربية في النقب، نقلتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ونسختها من كيان الـ48 إلى القدس الشرقية وإلى الضفة الغربية، بما في ذلك المنطقة المسماة ج، مع بعض المواءمة الشكلية والإجرائية نتيجة لحال الظرفية الجيوسياسية ومكانة السكان الفلسطينيين، حيث إن الفلسطينيين في إسرائيل هم مواطنون رسميًا في «الدولة الأم»، ولكنهم يعانون تمييزًا صارخًا على أساس الانتماء العرقي، وفي محيطهم يمارس استعمار داخلي[24]؛ أما سكان القدس الفلسطينيون فمنحوا مكانة خاصة (مقيم ثابت)، وتمارس ضدهم مصفوفة ضبط تحصرهم وتأسرهم في حيّزهم الضيق. أما الفلسطينيون في الضفة الغربية فلم يمنحوا أي شكل من المواطنة، وما زالوا تحت احتلال عسكري رسميًا، رغم تقسيمهم الإجرائي بحسب المناطق التي صيغت بموجب اتفاقيات أوسلو المرحلية ويمارس في محيطهم استعمار استيطاني. رغم هذه التقسيمات في المكانة بهدف شرذمة الهوية الجمعية الفلسطينية وتقسيمها إلى مجموعات مصلحية، إلا أن الدولة لخصت ماهية توجيهها الجيوسياسي الذي يلزم التخطيط الحيّزي في مجمل فلسطين بموجب البند 1 في القانون الأساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي، 2018 حيث ذكر في بند صغير: «(ج) ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي». وهذا يعني ممانعة صهيونية لامتلاك حق تقرير المصير للفلسطينيين في وطنهم. كذلك ما زالت دولة إسرائيل من دون حدود جيوسياسية نهائية متوافق ومجمع عليها داخليًا، بين أطياف الحركة الصهيونية العالمية والأحزاب السياسة العاملة في إسرائيل؛ وخارجيًا يوجد رفض فلسطيني وعربي وإسلامي وأممي للاستيطان الاستعماري وبخاصة في القدس الشرقية والضفة الغربية بما في ذلك منطقة الأغوار.
هذه بعض المبادئ التي لخصت بقانون القومية هي البوصلة الموجهة للتخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي منذ أن بدأت الحركة الصهيونية بتطبيق مشروعها، على مراحل مستفيدةً من الفرص التي تصيغها والتي تربط بين حوكمة رباعية الموارد: الزمان، المكان/الأرض، الإنسان اليهودي الصهيوني والتخطيط الحيّزي؛ من أجل تحقيق مشروع استعماري مهجّن في فلسطين.
خاتمة
يدعي كثير من قيادة الحركة الصهيونية ومفكريها بأن مشروعها التوسعي لم ينتهِ، وأنه مستمر في بناء «الدولة الأم» لتكوّن قلب الشعب اليهودي، فقد تحوَّلت الصهيونية من حركة إحياء إلى مجموعة مزجت بين الانتماء الديني والعرقي والإثني والثقافي والارتباط مع المكان الجغرافي فلسطين بحسب رواية صاغت الانتماء الجمعي للمنتمين إلى هذه الحركة، وهم أغلبية أبناء اليهود. هذه الحركة مارست استعمارًا استيطانيًا تحوَّل من استعمار استيطاني خيري، إلى استعمار بديل واستعمار استغلالي في ظل تغيير في دور «الدولة الأم» الاستعمارية وشكلها ومكانتها. هذه الدولة مازجت بين الخصوصية الدينية بما يحمله ذلك من أسطرة للإرث التوراتي التلمودي، وبين نماذج الاستعمار الحديث وهي تعمل على خلق نمط هجين من الاستعمار لتحقيق روايتها ومشروعها المتحول من حال أحادية الأيديولوجيا إلى حال تعددية إسرائيلية تتبنى مركبات الدولة الحديثة مع حفظ التميز والخصوصية العرقية، مع امتلاك موارد القوة والهيمنة الفوقية. في سبيل ذلك استخدمت الحركة الصهيونية سابقًا ودولة إسرائيل مصفوفة ضبط وسيطرة، وأحد مركباتها التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي لتحديد استخدامات الأرضي وتوجيه استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والتحولات والتغيرات المبادر إليها بموجب التخطيط الحيّزي التوجيهي والرسمي □
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 525 في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
للحصول على العدد:
مجلة المستقبل العربي العدد 525 تشرين الثاني/نوفمبر 2022
راسم محيي الدين خمايسي: أستاذ التخطيط الحضري في قسم الجغرافيا ودراسات البيئة – جامعة حيفا،
ورئيس مركز التخطيط والدراسات كفر كنا.
[1] «قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي،» <https://bit.ly/3REGuGZ>.
[2] راسم خمايسي: «مصفوفة الضبط الممارسة لإحداث التغيرات الديموغرافية والحضرية الفلسطينية في القدس،» ضمن ملف ندوة «قرار نقل السفارة الأميركية ووضع القدس القانوني والسياسي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 24 شباط/ فبراير 2018، <http://bit.ly/2JklZQ2> (شوهد بتاريخ 8 تموز/يوليو 2019)، و«مصيدة التخطيط الحضري في القدس،» المستقبل العربي، السنة 41، العدد 475 (أيلول/سبتمبر 2018)، ص 29-55.
[3] Scott Lauria Morgensen, «The Biopolitics of Settler Colonialism: Right Here, Right Now,» Settler Colonial Studies, vol. 1, no. 1 (2011), pp. 52-75.
[4] Derek Gregory, The Colonial Present (New York: Wiley, 2004).
[5] David Lloyd, Settler, «Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), pp. 59-80, <https://bit.ly/3ruvJMT>.
[6] Uri Ram, «Issues and Agendas: The Colonization Perspective in Israeli Sociology: Internal and External Comparison,» Journal of Historica1 Sociology, vol. 6, no. 3 (September 1993), pp. 330–331.
[7] Elie Zureik, Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit (London; New York: Routledge, 2016).
[8] علي شعبان عبد الحميد، «إدارة التخطيط العمراني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين تحديات الواقع وتطلعات المستقبل،» ورقة مقدمة إلى: الملتقى العربي الثاني حول إدارة المدن الكبرى، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، جامعة الدول العربية، الإسكندرية، 22 -26 أيار/مايو 2005، <https://bit.ly/3CycwjG>.
[9] Stephen McKay and Michael Murray, eds., Planning Law and Practice in Northern Ireland (London: Routledge, 2017).
[10] Rassem Khamaisi, «Israeli Use of the British Mandate Planning Legacy as a Tool for the Control of Palestinians in the West Bank,» Planning Perspectives, vol. 12, no. 3 (1997), pp. 321-340.
[11] شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش؛ تدقيق الترجمة أسعد زعبي؛ مراجعة وتقديم أنطوان شلحت (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2010).
[12] Andrees Faludi, «A Planning Doctrine for Jerusalem?,» International Planning Studies, vol. 2, no. 1 (1997), pp. 83-102.
[13] راسم خمايسي، «بين المكان والإنسان والعقيدة الدينية /الجيوسياسية/استشراف لتحديات التخطيط الحيّزي الإسرائيلي،» استشراف للدراسات المستقبلية، العدد 4 (2019)، ص 34 – 66.
[14] <https://israel100.org/>.
[15] أليشع إيفرات، جغرافية احتلال (القدس: منشورات كرمل، 2002).
[16] غوش إيمونيم هي حركة دينية-قومية غير مرتبطة بالعمل البرلماني الإسرائيلي. عملت بنشاط واسع في الحقبة الواقعة بين 1974 و1988. وهي التي شكلت النشاط الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنطلق الحركة «أن من حق اليهودي إقامة استيطان له في كل موقع من أرض إسرائيل كجزء من خلاص وإنقاذ الأرض من الغرباء». انطلق استيطانها بإقامة مستوطنة ألوم مورة شمال شرق نابلس، عام 1974، التي تمثل مركزها، وبعد أن وصل حزب الليكود إلى الحكم عام 1977 قدَّمت الجماعة مشروعًا للحكومة لإنشاء 12 مستوطنة في الضفة الغربية، كانت حكومة العمال السابقة رفضت إنشاءها، فوافقت الحكومة الجديدة وتم إنشاء المستوطنات خلال عام ونصف العام، ثم قدَّمت الجماعة مشروعًا آخر عام 1978 هو عبارة عن خطة شاملة للاستيطان من خلال إقامة شبكة من المستوطنات الحضرية والريفية لتأكيد السيادة الإسرائيلية على المنطقة، ورغم أن الحكومة لم توافق على الخطة رسميًا، إلا أنه تم تدبير الاعتمادات الحكومية اللازمة لتنفيذها تدريجًا، وتم إنجاز هذه الخطة انظر: <https://bit.ly/3fEKr1g>. انظر أيضًا: حجاي هوبرمان ضد كل الاحتمالات: سنوات الاستيطان بيهودا والسامرة (القدس: منشورات كتب نتسريم، 2008).
[17] <https://peacenow.org.il/en/settlements-watch/settlements-data/population>.
[18] Oren Yiftachel, «Between Colonialism and Ethnocracy: «Creeping Apartheid» in Israel/Palestine,» in: Na’eem Jeenah, ed., Pretending Democracy: Israel an Ethnocratic State, Johannesburg: Afro-Middle East Centre, 2012), pp. 95-116.
[19] ميخائيل يونان، «الطرق والمواصلات كمركب رئيسي بمصفوفة السيطرة والضبط الحيّزي في القدس،» (رسالة ماجستير، جامعة القدس، أبو ديس، فلسطين، 2018).
[20] تم تحديدها وتعريفها في اتفاقات مرحلية (اتفاق أوسلو 1995) عقدت بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تشمل المنطقة «ج» نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية وهي ما زالت تخضع للاحتلال الإسرائيلي الكامل وبينها تواصل إقليمي وفيها تتركز كل المستعمرات، بينما تقع منطقتا «أ» و«ب» تحت الإدارة الأمنية المدنية الداخلية للسلطة الوطنية الفلسطينية وتمثلان نحو 40 بالمئة من مساحة الضفة الفلسطينية.
[21] راسم خمايسي، «الثابت والمتغير في نمط الانتشار الجغرافي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل،» الحصاد، العدد 3 (2013)، ص 17-51.
[22] يوسف جبارين، التخطيط القومي في إسرائيل: استراتيجيات الإقصاء والهيمنة، ترجمة سليم سلامة وسلافة حجاوي (رام الله، فلسطين: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2013).
[23] Meshgav Regional Council, <https://bit.ly/3SFqjKU>.
[24] Nadim N. Rouhana and Areej Sabbagh-Khoury, «Settler-Colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and Its Palestinian Citizens,» Settler Colonial Studies, vol. 5, no. 3 (2014), pp. 205-225.


