Blog Post

التأريخ والمؤرخون الجزائريون في العهد العثماني 1518 – 1830

لا شك في أن المنطق العلمي والروح العلمية يقتضيان من الباحث، قبل التطرق إلى مفهوم التاريخ وإشكالية كتابته في العهد العثماني، أن ينظر إلى الصورة العامة لهذا العصر ووضع العالم الإسلامي والحضارة الإسلامية في إطار حركة التاريخ المحكومة بقوانين التقدم والتراجع، وهي قوانين موضوعية تتجاوز إرادة المؤرخ، إن هذا العصر يشير، كما بيّن وأوضح المؤرخ العربي الكبير عبد الرحمن ابن خلدون (1332 – 1407)، إلى التراجع والتقهقر ومرحلة الخمول والانكماش وبداية الانحطاط في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية ككل، وقد مسّ هذا التراجع وهذا الانحطاط كل أقطار العالم الإسلامي. يقول ابن خلدون الذي كان شاهدًا على هذا العصر: «وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، ولكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمُول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض وما عليها وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث»‏[1].

أدرك ابن خلدون في القرن الرابع عشر ميلادي من خلال رؤيته التاريخية والاجتماعية والفلسفية، أن الحضارة العربية الإسلامية استكملت دورتها المشرقة (دورة الخلق والإبداع) ودخلت في مرحلة جديدة مُظلمة (مرحلة استقالة العقل) استمرت عدة قرون في العالم العربي الإسلامي، وظل هذا العالم يعيش في سبات عميق ولم توقظه إلا مدافع نابليون على مصر سنة 1798، وصدمة الاستعمار الحديث كما هي الحال في ما يخص الجزائر سنة 1830.

جعلت هذه العوامل الشعوبَ العربيةَ والإسلاميةَ تشعر بالفارق الحضاري والفجوة التاريخية والعلمية الرهيبة بينها وبين الغرب، وكان من نتاج هذه الصدمة الحضارية بداية تكوّن وعي تاريخي عربي إسلامي جديد، عبَّر عن نفسه من خلال حركة الإصلاح والحركات القومية والوطنية. لذلك، يبدو لي، ومن وجهة نظر موضوعية، أن دارس هذه الحقبة التاريخية في الجزائر (1518 – 1830) عليه أن يتناول كل المظاهر السلبية السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشها المجتمع الجزائري في هذه الحقبة داخل هذا السياق التاريخي العام. غير أن هذا لا يعني، من ناحية أخرى، تبرير الواقع كما وقع، ونفي مسؤولية الأفراد والحكام العثمانيين عن الأوضاع السائدة في تلك المرحلة التاريخية، وكذلك عن الوضع العلمي والحياة الثقافية العامة التي تعَدُّ الكيان العقلي والحضاري لكل مجتمع. ومن أجل إثارة معرفية لهذا الموضوع، ومن زاوية النقد والتحليل والاستشراف، أرى أنه لا بد من طرح بعض الأسئلة الإشكالية والاستفهامية والاستكشافية في الوقت نفسه، لأن تفكيك الموضوع إلى عناصر أولية للبحث يجعلنا ندركه معرفيًا ونسيطر عليه منهجيًا بصورة أشمل وأدق وأوضح وأعمق.

من بين هذه الأسئلة، التي يرتبط فيها الجانب المعرفي بالجانب التاريخي، والذاتي بالموضوعي: هل يمكننا من الناحية المنهجية والمعرفية دراسة الحقبة العثمانية في الجزائر دراسة علمية وموضوعية؟ وكيف تعامل العثمانيون مع الوضع في الجزائر؟ وهل أضافوا إلى الثقافة القائمة شيئًا جديدًا؟

أما السؤال الأساسي والمحوري، وهو الأهم والمرتبط بموضوعنا الذي لا ينفصل عن الأسئلة السابقة، فهو: كيف كان وضع علم التاريخ في المنظومة الثقافية السائدة في ذلك العصر؟ وماذا كانت هوية المؤرخ؟ وكيف كانت تتحدد وظيفته وعلاقته بالسلطة القائمة؟ وكيف كانت منهجيته في كتابة التاريخ؟

يكاد يُجمع المؤرخون والباحثون على أن دراسة الحقبة العثمانية في الجزائر لا تخلو من الصعوبات المنهجية والمعرفية، لأسباب موضوعية متعلقة بندرة المصادر والمراجع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك أسباب أيديولوجية هي أن الاستدمار الفرنسي روَّج من خلال مؤرخيه أن الحقبة العثمانية في الجزائر كانت مرحلة ظلام، وأن العثمانيين، في حقيقة الأمر، لم يكونوا إلا مجرد قراصنة ومرتزقة ولصوص، وكان همهم الوحيد هو السيطرة وجمع الضريبة، وأنهم كانوا بلا أفق حضاري.

لا شك في أن هذه الرواية التاريخية المزيفة أثرت في الدراسات التاريخية اللاحقة، وجعلت الباحثين لا يدرسون هذه الجقبة الزمنية بوصفها حقبة فراغ تاريخي، هذا من جهة، وبسبب غياب الأرشيف والمصادر والمراجع من جهة أخرى كما أسلفنا من قبل. وفي هذا السياق، يقول أحد الباحثين الجزائريين: «إن التطرق إلى موضوع التدوين التاريخي خلال العصر العثماني يتطلب دراسات متعددة ومتكاملة لا تخلو من الصعوبات المنهجية ومسائل علمية تحتاج إلى الكثير من التحليل والتقويم، ولعل أول ما يبادر ذهن الباحث في الحركة العلمية بالجزائر هو ندرة المراجع التاريخية المعاصرة للعصر العثماني، فأغلبها لم يرَ النور بعد، فهي لا زالت مخطوطات مبعثرة في المكتبات الجزائرية والعربية والإسلامية والأوروبية، فقد أصبحنا لا نعرف عن بعض هذه المخطوطات إلا ما ذكره عنها المستشرقون الأوروبيون، والمستشرقون الفرنسيون بصفة خاصة»‏[2].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 557 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 557 تموز/يوليو 2025

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *