Blog Post

الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي: المخطط الاستعماري للقرن الجديد

الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي: المخطط الاستعماري للقرن الجديد

الكاتب: هبة جمال الدين محمد العزب

مقدمة

تقدم هذه الدراسة طرحًا جديدًا لقضية خطيرة جدًا تستشرف مستقبل الوطن العربي ومحيطه الجغرافي، عبر استقراء المخططات المطروحة والمقدمة من مراكز الفكر الأمريكية والغربية. وهذا المخطط يتجسد في إطار التوظيف السياسي لمفهومين جديدَين نسبيًا، ألا وهما مفهوم «الدبلوماسية الروحية» ومفهوم «المشترَك الإبراهيمي». مع مطلع الألفية الجديدة ظهرت الدبلوماسية الروحية كأحد متغيرات السياسة الدولية، التي تستهدف تحقيق السلام العالمي، وحل النزاعات، ومكافحة الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة؛ فجاء طرح المفهوم كإحدى ساحات الدبلوماسية غير الرسمية التي تعتمد على الدين مرتكزًا رئيسيًا لعملها؛ إذ يتم توظيف ربط الدبلوماسية بالروح، لتحقيق أهداف سياسية من خلال مخاطبة العقائد والتقاليد الدينية التي تمسّ القلب، التي تعَدّ معيار التمييز والمحك للحكم على الأمور، بل ومصدر الكينونة. ومن ثم يمثل هذا الربط الضمان لخلق الأتباع والمؤيدين لها نفسيًا، بل وإنشاء رأي عام داعم ومساند لها عبر المشترَك بين الأديان السماوية التي أضحت تسمى «الإبراهيمية».

في هذا السياق، تدور الإشكالية الأساسية في الدراسة حول كيفية توظيف الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي سياسيًا، وتداعيات التوظيف على مستقبل المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي. وتطرح الدراسة عددًا من الفرضيات الآتية: تغيُّر مسمى الأديان من سماوية إلى إبراهيمية له هدف سياسي للتطبيع وسلب الحقوق السياسية على الأرض. تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية «المشترَك الإبراهيمي» كمشروع فكري للسيطرة على العالم، فـ «الولايات المتحدة الإبراهيمية» هي المخطط الاستعماري الجديد الذي يتم تطبيقه عبر إيجاد علاقة بين طرق الحج الديني المشترَكة، كمسار إبراهيم، والمخطط الاستعماري للمنطقة. وإن رفض تغيير مسمى الأديان من السماوية إلى الإبراهيمية هو الخطوة الأولى للتصدي للمخططات الاستعمارية الجديدة.

ترنو الدراسة من خلال معالجة هذه الإشكالية وتفنيد الفرضيات إلى تحقيق عدد من الأهداف الرئيسة، منها الوقوف على ماهية الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي، والتعرف إلى أدوات الترويج للمفهوم وأبعاده السياسية الإيجابية والسلبية، وكذا نماذج التطبيق العملي للمفهوم والقوى الفاعلة المنوطة بالانتشار القاعدي للدبلوماسية الروحية، والتمهيد للقبول بالمشترَك الإبراهيمي، واستشراف المخططات المستقبلية التي يُوظَّف المشترَك الإبراهيمي خلالها.

وللبحث في هذه الإشكالية استخدمت الدراسة المنهج الاستقرائي عبر جمع أجزاء صغيرة من القضية وربطها معًا للوصول إلى الصورة الكلية للظاهرة محل الدراسة، وهنا كمنت الصعوبة التي واجهتها الكاتبة خلال البحث والتنقيب عن القضية، في ظل عدم تناولها من قبْلُ، وبخاصة في المكتبة العربية. كما أن المكتبة الغربية لم تقدم مثل هذا الطرح أو الصورة الكلية ولم تناقشه في إطار القراءة النقدية وتفنيد الحقائق. وقد استندنا إلى الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز الفكر الغربية والإسرائيلية. وللتأكد من صحة النتائج محل الدراسة استخدمت الدراسة أسلوب التحليل الشبكي للوقوف على محاور وأبعاد شبكة الدبلوماسية الروحية ومحاور ونقاط الارتكاز والقضايا الأكثر انتشارًا وتطبيقًا على أرض الواقع، وللوقوف أيضًا على مركز الشبكة والجزء الأقوى شبكيًا.

في هذا السياق، تنقسم الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الأول يتناول مفهوم الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي وآليات الترويج للمفهومين؛ والثاني يناقش الانتشار القاعدي والدعم الأممي؛ والثالث يعرض المشروعات القائمة على الأرض والجاري تنفيذها.

أولًا: مفهوما «الدبلوماسية الروحية» و«المشترَك الإبراهيمي» وآليات الترويج

تعود إرهاصات مفهوم «الدبلوماسية الروحية» – وبالتالي مفهوم «المشترك الإبراهيمي» – إلى مطلع الألفية، كمدخل لحل الصراعات ذات الأبعاد الدينية، وقد تمكنت الباحثة من تقسيم الأدبيات التي تعرضت للمفهوم إلى اتجاهين: الأول تناول الهدف من المفهوم، والثاني هوية المفهوم.

1 – التعريف وفق الهدف من المفهوم

هناك من عَدّ مفهوم «الدبلوماسية الروحية» مدخلًا للقضاء على الفقر العالمي كالبنك الدولي؛ ففي تقريره بعنوان التنمية والدين عام 2007 تحدث عن السلام الديني العالمي كمدخل لمكافحة الفقر الكوني عبر دبلوماسية المسار الثاني، لتحقيق تفاهم مشترَك حول مسببات الفقر، وكيفية محاربته من خلال الأديان، «فلا سلام من دون سلام بين الأديان الإبراهيمية» والمشاركة في تقديم خدمات مبنية على قيم التعليم الديني لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية[1]. وهناك من عَدّ المفهوم مدخلًا لحل الصراعات، كالمركز الدولي للديانة والدبلوماسية بواشنطن؛ بوصفها مدخلًا لحل الصراعات المعتمدة على الهوية التي تتخطى حدود قدرة الدبلوماسية الرسمية، عبر تكامل الأديان كجزء من الحل[2]. هذا مقابل من رأى أن هدفه الوصول إلى السلام الديني العالمي كاتحاد تراث إبراهيم، كون الدبلوماسية الروحية هي القوى المحركة للسلام عبر التقارب بين الديانات الثلاثة[3].

2 – هوية المفهوم كساحة من ساحات التفاوض
(دبلوماسية المسار الثاني)

يعرّف أندرو بريستون هوية المفهوم بأنها دبلوماسية المسار الثاني لتحقيق الأهداف السياسية للدولة، في شأن حل النزاعات والخلافات الحساسة، ولتقريب وجهات النظر التي لا يمكن حلها في العلن بطرائق تقليدية، وبخاصة التي لها جذور دينية، كخطوة للتقارب من أجل السلام العالمي، وإقامة علاقات طبيعية في المستقبل[4]. وهناك من شدد على مدخل وآلية هذا المسار من التفاوض (المدخل النفسي) لتحقيق الهدف المرجو، كمؤسسة إعادة اتحاد أبناء إبراهيم التي تعرفها بوصفها مفاوضات المسار الثاني باستخدام المدخل النفسي لدحض الأصولية في الأديان الثلاثة، لاستنتاج نهاية العالم والالتزام في شأن العلاقات المستقبلية التي تستند إلى القيم المشترَكة؛ الأخلاقية والاجتماعية[5].

ويعرّف عمر بن عيشة هذه الهوية، ولكن مع تخصيص القيادات الدينية بمشايخ الطرق الصوفية في إطار خبرة دول المغرب العربي، فيرى أنها تلك التفاعلات الدوریة المستمرة، أو الموسمية بین الفاعلین السیاسیین ومشایخ الطرق الصوفیة، ذات الانتشار الواسع والتأثیر المتمكن في المریدین والأتباع والمحبّین بالأمصار والأقطار الأجنبیة المتشبعة بالمعرفة والمكانة العلمیة والسلوكیة لشیخ الطریقة وما یصبو إليه من تحقیق السعادة والحریة التعبدیة للمرید القدوة، من خلال التربیة والترقیة السلوكیة المتزنة لحیاته المادية والروحیة.[6]

وللتيسير على القارئ، من دون إقحامه في سجال نظري، توصلت الكاتبة إلى تعريف إجرائي يرسم ملامح المفهوم ويوضح أبعاده وأدواته: إنه «مسار من مسارات التفاوض يستهدف حل النزاع أو منع حدوثه من أجل بناء سلام ديني عالمي، يتم عبر الجمع بين القادة الروحين والساسة داخل آلية المسار الثاني للمفاوضات (Track II Diplomacy) باستخدام المدخل النفسي لدحض الأصولية في الأديان الثلاثة[7]؛ والتباحث حول القضايا الحساسة محل النزاع بهدف التوصل إلى مشترَك عبر تقارب الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام - المسيحية - اليهودية) أو ما يسمى الديانات الإبراهيمية أو الدين الإبراهيمي «الدين العالمي الواحد» للقضاء على الاختلافات والوصول إلى متفَق يقبله المجتمع، عبر ترجمته لخدمات ملموسة يشعر بها المواطن (الحوار الخدمي) ليكون ولاؤه للدين الإبراهيمي، ويتم نقله إلى الخريطة السياسية لأنه سيكون مركز صنع القرار السياسي بالعالم[8]، بهدف خلق السلام الديني العالمي».

إن الهدف الرئيسي – المعلن – من مفهوم «المشترك الإبراهيمي» هو بلوغ السلام الديني العالمي كغاية عليا؛ تتأتى من خلال صَهر المختلف بين الأديان والاتفاق على القيم المشترَكة، بل وتطبيقها على الأرض، عبر تضافر الجهود لاتباع «الديانات الإبراهيمية» التي ستصل معًا إلى مشترَك من وحي النص الديني يتم نقله للخريطة السياسية ليحصل «أصحاب الحق الأصلي والشعوب الأصلية» على حقوقهم، ومن ثم ستحل النزاعات والخلافات بالمناطق التي تعاني توترات دينية، وهو ما يسفر عن حل النزاع، ويخلق بدوره انسجامًا مجتمعيًا بين الأطراف المتنازعة في الماضي وبالتبعية ستتحقق التنمية الاقتصادية والرخاء الاقتصادي – لأكبر نسبة من سكان العالم – الأمر الذي  يؤدي إلى حفظ السلام، من هنا سيتحقق السلام الديني العالمي[9].

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن المشترَك الإبراهيمي ومحورية نبي الله إبراهيم عليه السلام، نجد أن الدبلوماسية الروحية اشتقت مسمى «الإبراهيمية» لتطلقه على الديانات السماوية الثلاث، لتصبح «الدياناتِ الإبراهيميةَ»، نسبة إلى نبي الله إبراهيم الذي يحتل مكانة وقدسية داخل أتباع الديانات الثلاث، لذا تم اختياره ليعبِّر عن المشترَك الروحي، ويزيل أي خلافات قائمة بين الأبناء للبناء على التراث المشترَك والتشابهات في علم اللاهوت، لتحقيق سلام ديني عالمي قائم على الضمير الجمعي العالمي[10]، مع مراعاة الاختلافات القائمة بين كل من اليهودية والمسيحية والإسلام، لكن الطرح الإبراهيمي المشترَك يؤكد الأساس الروحي المختلط بين الأديان الثلاثة[11].

ويجسد اختيار أبي الأنبياء كمحرك جامع لأتباع الأديان الثلاثة، ليعبر عن الجذر الديني المشترَك بين الأديان ويوظف للتشديد على[12]:

– الأسرة الواحدة: في إطار إحياء ذكرى وقصة نبي الله إبراهيم التي ترد في الكتب المقدسة الثلاثة كأب لإسحق (نسله اليهود والأقباط)، وإسماعيل (نسله المسلمون) فجميع اتباع الأديان الإبراهيمية الثلاثة هم أبناء إبراهيم، فهم أخوة وأولاد عمومة فجميعهم أعضاء عائلة واحدة، ومن ثم فإن أي خلاف قائم هو خلاف أسري عائلي يمكن احتواؤه بين أفراد الأسرة الواحدة.

– الحوار الأخوي[13] مدخل «لاحترام الروحانيات الإبراهيمية المختلطة»: والضيافة اللاهوتية ووحدة الخلق بالإسلام كلها قيم تقضي النظر من منطلق الدين الذاتي للأديان الأخرى للاعتراف بحقها للمطالبة بالوقوف على الحقيقة والخلاص والوصول لروحانيات مختلطة متفق عليها.

– القيم الدينية المشترَكة بين الأديان الإبراهيمية: تقدم الديانات الإبراهيمية أرضية مشترَكة تجمع علوم اللاهوت والعقيدة والأخلاق والنصوص المقدسة والطقوس الدينية والعبادات، وتجعل المشترَك الديني أقرب من المختلف عليه ليصبح «مشترَكًا إبراهيميًا».

– المشترَك الإبراهيمي مدخل لصوغ «أخلاقيات عالمية»: تُلزم الديانات الثلاث أتباعها بقيم العدل والمساواة والرحمة والحياة الفاضلة والزواج والأسرة ورعاية الفقراء والمحرومين وخدمة الآخرين والانضباط والالتزام الذاتي وحماية البيئة والمساهمة في بناء المجتمع. كل هذه القيم الأخلاقية وغيرها يمكن أن تؤسس لميثاق أخلاقي عالمي يجمع أبناء إبراهيم. فالاعتراف بالأرضية الأخلاقية المشترَكة بين الأديان الإبراهيمية وتقاليد الأتباع دفع هانز كونغ إلى الدعوة إلى صوغ «أخلاقيات عالمية» أطلقها في برلمان 1993 لأديان العالم، لتكون أحد محددات النسق الأخلاقي للشعوب لتصبح الأخلاق الإبراهيمية أخلاقًا عالمية للجميع.

– المشترَك الإبراهيمي يمتد للنصوص الدينية بالكتب المقدسة، التي تحتاج إلى إعادة تأويل لاستثمار المشترَك وإقصاء المختلف عليه لصوغ ميثاق إبراهيمي مشترَك عالمي.

وفي إطار نشر المفهومين كي لا يظلّا حبيسَي الأدراج؛ أزاح تقرير الدين والدبلوماسية لمركز بروكنغز – الدوحة لعام 2013 الستار عن أدوات الترغيب والترويج للدبلوماسية الروحية، من أجل استقطاب الأتباع والمريدين عبر خلق المنفعة والعائد المجتمعي لربطه في إطار مقبول روحانيًا[14]، كمشروعات ريادة الأعمال وبخاصة للشباب، والمشروعات التعاونية النسائية، وقوافل مكافحة الأمراض كحملات مكافحة الملاريا بأفريقيا، والحملات الإغاثية أو ما يسمى «الحوار الخدمي»، والمسارات السياحية، «مسارات الحج الديني المشترَك»[15]، وتطوير المناهج التعليمية، وإنشاء مراكز حل النزاعات بين القيادات المحلية المتنازعة عبر تقديم مساعدات اقتصادية[16].

وامتدادًا لهذا النهج يأتي اهتمام الأمم المتحدة بالمفهومَين («الدبلوماسية الروحية» و«المشتَرَك الإبراهيمي») بوصفهما مدخلًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر دمج البعد الروحاني داخل علم الاقتصاد ومراعاة العدالة الاجتماعية وشمول وتعاون مختلف دول العالم التي تؤمن بقيمة الحب، وتعلي أهمية الحياة والعمل المشترَك. ومن ثم سيصبح العالم أكثر حرية وليبرالية وأكثر مراعاة لحقوق الطبيعة، ووضع الموارد الطبيعية، عالم يسوده السلام ويتجه بعزم نحو القضاء على الفقر ونصرة الضعفاء والفقراء[17].

وإلى جانب الحوافز الإيجابية لنشر المفهومين، هناك محركات سلبية تدفع بقوة إلى القبول بالمشترَك الإبراهيمي وفقًا لإشارة الرئيس باراك أوباما بتقرير بروكنغز – الدوحة عام 2013، يأتي في مقدمها الصراع السني – الشيعي. الأمر الذي عدّه تقرير مركز راند حول مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط الصادر عام 2017، أنه مدخل لهيمنة النزعة المحلية والمطالبة بالانفصال أو اللجوء للمشترَك الإبراهيمي كحل للتخلص من الوضع المتأزم[18]. يضاف إلى انهيار الدول القومية أو ضعفها، وبخاصة في ظل التحديات العالمية التي تقف أمامها من مثل تغير المناخ وندرة الموارد والعنف الديني[19]، والإرهاب ذي المسحة الدينية، فجميع هذه القضايا تأتي كمحركات لرفض الوضع وتفضيل المشترَك الإبراهيمي الذي سيحقق السلام الديني العالمي؛ وبالتبعية الاستقرار والهدوء والأمن للجميع.

ثانيًا: الانتشار القاعدي للمفهوم والدعم الدولي والأممي

من أجل نقل الفكر إلى الأرض كان من المهم وجود قوى فاعلة (الانتشار القاعدي) للقبول بالمفهومَين. وتعَدّ المنظمات الصوفية الروحية العالمية من أبرز الفاعلين على الأرض، ومن أبرز مبادئ عملها الماسونية القديمة، كمنظمة الطريقة الصوفية (Sufi Way) التي تساوي بين الصوفية والماسونية في ميثاق عملها. ومن أشهر أدواتها في المنطقة مؤسسة مسار الصداقة (Friendship Path) التي تضطلع بنشر هذا الفكر الصوفي العالمي داخل البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط، كأفغانستان، عبر التواصل مع المجتمعات المحلية والفئات الأكثر احتياجًا، وتنسق مع القيادات الدينية الروحية[20] والوسطاء المحليين في إطار شبكة قاعدية تسمى «شبكة الشبكات» تكون المنظمات المرتكزة على العقيدة أحد أبرز أعضائها (Faith Based Organizations). هذا علاوة على مراكز البحث الإبراهيمية التي تعمل على وضع الميثاق العلمي والجهد البحثي لعمل أعضاء شبكة الشبكات ووضع خطط العمل والدروس المستفادة خلال تسوية الصراعات الدينية على الأرض[21]. وتستهدف هذه الجهود القاعدية خلق بيئة داعمة من الرأي العام، للتأثير في القيادة السياسية بل والتغير عبر الحشد الاجتماعي السلمي[22].

هذا وتبنّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الدبلوماسية الروحية، وسعت جاهدة لنقل المفهوم من مستوى الفكر إلى الممارسة، ولكن مع مراعاة استدامته عبر مأسسته ليكون نهجًا مستمرًا، بغضّ النظر عن تبدل الإدارة الأمريكية، بوصفه مشروعًا أمريكيًا لإعادة الهيمنة الأمريكية عبر صَهر الأديان والمعتقدات وفقًا للمؤرخ الأمريكي فوكوياما، الذي رأى أن حكم القانون وتطبيق الديمقراطية وسيادة النموذج الأمريكي لن يتأتى إلا بالبحث عن مصدر للقواعد الاجتماعية غير الثابتة التي تتجسد في القيم الأخلاقية المشترَكة بين أفراد المجتمع، وهذا يتجسد في الدين. فالمكان المناسب لتحقيق هذا الغرض هو دراسة الدين، وخص فوكوياما الأديان السماوية وسمّاها الأديان التي حددت مجتمعات ما قبل العصر الحديث إسرائيل القديمة، أوروبا في العصور الوسطى، أو العالم الإسلامي في وقت مبكر[23].  في هذا الإطار جاء الشكل المؤسسي كالآتي:

– إنشاء فريق عمل حول الدين والسياسة الخارجية عام 2013 يتبع الهيئة الاستشارية الفدرالية حول الحوار الاستراتيجي، يضم نحو 100 فرد من القادة الروحيين، ومسؤولين في وزارة الخارجية تضطلع بتقديم المشورة لوزير الخارجية[24] وما زالت قائمة وتمارس عملها في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رمز المحافظين[25] الجدد، وهو ما يعكس استمرار النهج.

– مكتب وزارة الخارجية الأول للمبادرات الدينية: يرأسه شون كيسي (عضو الميثودية المتحدة وأستاذ الحلقات الدراسية اللاهوتية في جامعة ويسلي بواشنطن) يكرس الشراكة مع المجتمعات الدينية العالمية والقادة الروحيين في شأن قضايا أولية مثل: «التحولات العربية – السلام في الشرق الأوسط – التغيرات المناخية- حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة».

– إعلان تأسيس مكتب المبادرات الدينية: حيث أوعز إلى الدبلوماسيين إشراك القادة الروحيين والمجتمعات الدينية في العمل يومًا بعد يوم» في عهد وزير الخارجية جون كيري. وفي آب/أغسطس 2013 اعترف الوزير كيري بـ «الأرض المشترَكة للديانات الإبراهيمية» واعترف بتأثير الدين العالمي في مواجهة الخطر المحدق بالولايات المتحدة[26].

– تأسيس الشبكة السياسية للدين والدبلوماسية: تمولها وزارة الخارجية الأمريكية لتمارس الدور نفسه المنوط بمؤسسات الدبلوماسية الروحية، حيث تقوم بجمع الدبلوماسيين ورجال الدين الأوروبيين والكنديين والأمريكان وتركز على قضية الدين وبناء السلام[27]. والدعم الأمريكي يتكامل معه الدعم الأممي والدولي؛ فمع مطلع الألفية ظهر اهتمام دولي للمؤسسات التمويلية بقضية السلام الديني العالمي؛ عبر دبلوماسية المسار الثاني بالتقارب بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة ووضعها على أجندتهم التمويلية، لأن هذا السلام سيحقق التنمية ويحارب الفقر الكوني. وجاء الجهد الدولي في إطار الاهتمام والعمل على مناقشة وتنفيذ آليات الدبلوماسية الروحية متخذا عدة صور وأشكال[28]:

– المنظمة الأممية: بدأت الأمم المتحدة في الاهتمام بقضية الأديان والتقارب بين الأديان السماوية مستخدمة مصطلح الإبراهيمية كبديل من السماوية، وبدأت في العمل على: إقامة منتديات دولية للصلوات المشترَكة رافعة شعارات «السلام الديني العالمي»، وإدراج التقارب الإبراهيمي كمكوّن في مؤتمرات مناقشة أهداف التنمية المستدامة. وإصدار عدد من الوثائق التي تتعلق بالأديان المشترَكة كمدخل للسلام الديني العالمي. ومن الجدير بالذكر أن اليونيسكو من أبرز الفاعلين على الأرض في تنفيذ برامج تدريبية، ومؤتمرات، وبروتوكولات تعاون، وتمويل مشروعات تتقاطع مع المشترَك الإبراهيمي، ودعم مشروعات سياحية ترفع شعارات التقارب الروحي والمشترَك الإبراهيمي… إلخ.

– المؤتمرات الدولية: منذ مطلع الألفية تبنت عدة جهات تنظيم مؤتمرات دولية بهدف دعم المبادرة وضمان تطبيقها على الأرض.

– المنح الدولية: أطلقت عدة دول منحًا دولية تم ربط مشروطيتها بمكوّن المشترَك الروحي بين الأديان الإبراهيمية خلال ما تقدمه من مشروعات تنموية، إضافة إلى إقامة مشروعات تعاون مشترَكة لدعم التقارب الروحي.

ثالثًا: المشروعات القائمة
على الأرض والجاري تنفيذها

بدأت ترجمة الدعم الدولي والأممي لمشروع الدبلوماسية الروحية والمشترَك الإبراهيمي في عدة مشروعات على الأرض، أبرزها «مسارات الحج الديني المشترَك» كمشروع يمثل ترجمة لمفهوم الدبلوماسية الروحية على الأرض، بنقل الفكر إلى حركة تستخدم المشترَك الإبراهيمي لخلق مناسك ومقدسات مشترَكة بين الأديان الثلاثة يتم استثمارها لبناء ذاكرة تاريخية جديدة، تتكامل خلالها طرق الحج المشترَكة التي تُطرح تحت شعار «معًا نصلي» كمدخل يسوّق بهدف تحقيق السلام الديني العالمي، وهو مشروع قدمته جامعة هارفرد مع مطلع الألفية حيث قدمت الإطار النظري والعملي لمسار إبراهيم كمسار أكبر تتقاطع خلاله مسارات أخرى لتتكامل معه، كمسار فرسان المعبد والمسار الصوفي التركي، وكل من هذه المسارات ترفع جميعها شعار السلام الديني العالمي لتحقيق السلام بين الأديان. مسارات الحج المشترَكة هذه، القائمة والمخطط لها بالمنطقة، تتقاطع جميعها معًا رسميًا وفقًا للمعلومات المتاحة على موقع مبادرة مسار إبراهيم. وجميعها تطبق أدوات مشترَكة، كالذاكرة التاريخية المشترَكة، والتنمية السياحية، والثقافة المشترَكة والتنمية الاقتصادية عبر دول المسار. ويقدم المسار ذاته رؤية لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي.

وجدير بالذكر، أن هذه المسارات الثلاثة وقع اختيارها على الأراضي العربية ومنطقة الشرق الأوسط، وجاءت الأهداف المعلنة حول هذا الاختيار بسبب ما تجمعه من معالم دينية ومدن مقدسة ترتبط إقامة مناسك الحج بها. لذا سميت مسارات الحج المشترَكة، وهي تتلاقى جميعًا في الهدف لتحقيق السلام الديني على نطاق عالمي عبر بوتقة صهر وتواؤم مع أنصار الأديان المختلفة الإسلامية كالمسار الصوفي التركي، والمسيحية كمسار فرسان الهيكل – الذي يبرر التدخل العسكري المسلح لنصرة أية كنيسة تتعرض للاضطهاد بغض النظر عن الطائفة التي تمثلها – وتنصهر جميعها في مسار إبراهيم للنظر إليها بوصفها بوتقة صهر تجمع الأديان السماوية تحت مسمى الأديان الإبراهيمية[29].

وتثور الإشكاليات الخاصة بمسار إبراهيم في عدة قضايا رئيسة، كإشكالية تكييف ملكية الطريق، أي من يملك الطريق ويتحكم فيه. ففي وثائق إنشاء المسار طُرح تساؤل خطير حول هوية مالك الطريق لمن تؤول ملكية أرض المسار؟ هل للقدماء، أم لأصحاب المبادرة؟ أم لسكان الإقليم الذين لا يعلمون شيئًا عنه؟ أم لمن يسير على الطريق، أم لأبنائهم، أم للأجيال المستقبلية؟ ولكنهم أرجأوا حسم الإشكالية إلى حين اكتمال المشروع، فهي قضية مؤجلة. كذلك إشكالية عدم الثقة بالدوافع التي تقف خلف المسار: تنتشر نظريات المؤامرة في هذا الجزء من العالم، ومن ثم اختيرت جامعة هارفرد كغطاء متميّز لضمان القبول والترحيب الشعبي والرسمي. إضافة إلى إشكالية كسر الحدود السياسية تجاه المسافرين على الطريق: وبخاصة أمام الإسرائيليين في المنطقة. ولقد جاء ذلك في تقرير جامعة هارفرد عام 2004 وتوصل إلى أن المشروع ليكون قادرًا على التنفيذ يجب كسر وإزالة الحدود بالمنطقة. وإشكالية وضع إسرائيل ورفض دول المسار التطبيع معها؛ الأمر الذي يجب أن يتم بالتنسيق التدريجي عبر حث الدول على تبنيها للمشروع وليس فرضها عليها. فالأمر يجب ألّا يظهر وكأنه مرتبط بنهج طريق إبراهيم كشرط للتنفيذ تفاديًا لأي توترات سياسية على أن يكون التطبيع أمرًا لاحقًا وأن يتم تدريجًا خلال الأنشطة المستقبلية للمسار[30].

يقدم مسار إبراهيم مقاربة فكرية ومنهجية جديدة لتناول الصراع العربي – الإسرائيلي في المنطقة كمدخل جديد لحل الصراع عبر إفراغه من أسبابه الهيكلية. تمثل هذه المقاربة نظرة مختلفة إلى أسباب الصراع وأنماطه، بل وتقدم مداخل جديدة للحل تحمل مخاطر جمة على مستقبل المنطقة، ولا تصب في مصلحة الطرف العربي، وهي تتمثل بإعادة تعريف الصراع من صراع وجود وصراع على الأرض إلى صراع هوية[31]؛ فسبب الصراع وفقها هو الشعور بالاحتقار والإهانة، وإعادة تعريف الصراع مطلب جوهري كأحد أهم مداخل الحل، إذ يجب النظر إلى الصراع على أنه شبيه للصراع الأسري الذي ينشأ بين أطراف العائلة الواحدة[32]، وبالتالي إذا أعطيتك الاحترام، من المرجح أن تمنحني الاحترام ومن ثم فإن الآلام لن تتكرر. وتزعم هذه المقاربة الفكرية أن  أبراهام هو الطرف الثالث الذي سيقرب المتصارعين في الشرق الأوسط عبر التذكير بالإطار الأوسع (الذاكرة الثقافية)؛ فطريق إبراهيم هو مشروع للذاكرة الثقافية واجب تطبيقه على الأرض. مدخل حل الصراع بناء أمة جديدة: مكان الصراع هو بين النهرين (Mesopotamia) – أي نهري النيل والفرات – حيث كان يعيش النبي إبراهيم ووعد الرب بوجود أمة جديدة، ومن ثم فهذا وعد إلهي يجب تحقيقه. عبر خلق طريق يعيد إلى الذاكرة رحلة إبراهيم رحلة الحج الدائمة[33].

ومن مكامن خطورة مسار إبراهيم تقاطعه بمسار افتراضي يسمى مسار السنهدرين الذي يمثل بداية لإعادة بناء الهيكل على جبل الموريا في «أورشليم» القدس. وفي الثامن عشر من شهر آذار/مارس 2018 أصدر مجلس السنهدرين، وهو المحكمة الدينية التشريعية العليا لإسرائيل المكونة من 71 حبرًا، كتابًا بالعبرية والإنكليزية والعربية يدعو العرب كأبناء إسماعيل والمسيحيين كأبناء إسحق وعيسى ليقوموا بدورهم بدعم الهيكل الثالث كخطوة تهدف إلى جعل العالم بأسره يخطو خطوة واحدة إلى السلام العالمي. وذكر الحاخام فايس أن الغرض من الخطاب طلب أن يكونوا مستعدين «لأداء دورهم بالمساهمة في خدمة الله». وسيكون الهيكل الثالث أيضًا مقرًا لحكومة العالم الموحدة في النظام الدنيوي الجديد، والمقر الجديد للأمم المتحدة. هذه ليست مبادرة دينية، هذه مبادرة وطنية مع كل دولة تجلب جانبها الخاص، وجميع الدول تنضم معًا في القدس، حيث تم إنشاء العالم. وهنا تكمن خطورة المخطط[34].

ولم يقف الأمر عند مسار إبراهيم أو مسارات الحج المشترَكة، وإنما جاء طرح مخطط سياسي آخر بدأ في التنفيذ. وتعتقد الكاتبة بأن مسارات الحج الثلاثة المشتركة (مسار إبراهيم ومسار فرسان المعبد والمسار الصوفي التركي) هي الأقرب إلى صفقة القرن على الرغم مما أُعلن عنها؛ فالخفي أكبر، وهو يتوافق مع الخطوات التي تتم الآن على الأرض في الدول العربية كافة. هذا المخطط الذي يسمى «الولايات المتحدة الإبراهيمية» هو مشروع مطروح من جانب مركز إيمرجي (Emergy) في جامعة فلوريدا منذ عام 2015، لكنه يكشف عن ملامح مشروع استعماري جديد بدأت إرهاصاته منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم تم تطويره وتحديثه من جانب مراكز الأبحاث الأمريكية وبخاصة المعنية بعلم النفس السياسي، والدراسات البيئية، وحل النزاعات، ليتم بلورته حتى تُيسر طرق تنفيذه على الأرض. ويعكس هذا الطرح تكامل أفرع العلم والمعرفة معًا؛ فالجغرافيا والبيئة السياسية والدين… كلها أبعاد تكاملت معًا للوصول إلى فكرة إقامة اتحاد فدرالي قائم على المشترَك الإبراهيمي بين بلدان الوطن العربي وشمال أفريقيا ليمثل نهاية للدول القومية الضعيفة وبداية لتكامل إقليمي للمشاركة في الموارد النادرة، التي ستمثل أسباب الصراع والصدام والحروب في المستقبل إذا لم يتم التكامل معًا. هذا التكامل يمثل مدخلًا مهمًا للانضمام إليه – بل وتمويله وتنفيذه على الأرض من جانب دول المنطقة التي ستغازل أهدافه في ظل الصراع القائم على الأرض[35] (تركيا: حلم الخلافة العثمانية؛ الخليج العربي بقيادة سعودية: الخطر الإيراني المشاكل الاقتصادية التي تمر بها إيران). وهذه الخلافات ستجد ضالتها في اتحاد قائم على المشترَك الروحي الديني والثقافي والتاريخي والبيئي والجغرافي، المشترَك الذي يقدم نموذجًا نحو وحدة المصير في ظل عالم متغيّر تهيمن عليه الضبابية وندرة الموارد وتكثر فيه احتمالية التعرض للكوارث.

هذا المخطط وجد في الدبلوماسية الروحية مطيّة للاستيلاء على الموارد العربية. فالمشترَك الديني سيولِّد إيمانًا بالمسؤولية المشترَكة في الحفاظ على الموارد عبر إنشاء اتحاد فدرالي يجمع 18 دولة عربية وإسرائيل وتركيا وإيران معًا. وسوف يكون الهدف الاهتمام بالحفاظ على الموارد ضد الأهلاك أو الغزو في ظل ندرة الموارد بالعالم وإسرائيل مقابل توافرها لدى البلدان العربية وإيران. وهذا سيوفر مدخلًا لاستيلاء إسرائيل على هذه الموارد بحكم التفوق التكنولوجي لديها، الذي يوفر لها حجة لتقدم نموذجًا رشيدًا في استخدام الموارد النادرة بالمنطقة. وسمي هذا الاتحاد الفدرالي «الولايات المتحدة الإبراهيمية» التي تعود إرهاصاتها إلى تسعينيات القرن الماضي[36]. وقد يفسر هذا المخطط ما يحدث في المنطقة العربية. ويبدأ المخطط في التنفيذ على الأرض في شمال شرق سورية كنقطه بداية للانتشار على مستوى إقليم الشرق الأوسط ككل ثم القارة الأفريقية[37].

أسفر أسلوب التحليل الشبكي (Network Analysis) عن التأكيد أن الولايات المتحدة الإبراهيمية هي الأكثر تأثيرًا على الأرض. كما أنها الأعلى في عدد الروابط المتصلة التي يقيم معها علاقة وتتمتع بتأثير ونفوذ. كما أن الصوفية العالمية الروحية، هي من أخطر المخططات. ومكمن هذه الخطورة هو امتدادها في إطار المؤتمرات واللقاءات الصوفية المنتشرة بين أرجاء العالم العربي والإسلامي من دون قراءة سياسية لأفكار هذه التيارات المدمرة التي تحرص على الانتشار القاعدي عبر الوسطاء والشركاء المحليين ومبادرات أصدقاء المسار. ويمثل المشترَك الإبراهيمي خطورة كبيرة، لأنه من أكثر المشروعات المتقاطعة التي لها تأثير خطير وعميق ممتد ومتقاطع ويمتلك علاقات نفوذ قوية. ولكنه يمثل فرصة في ذاته لأنه يمثل مركزية بينية إذا تم التراجع عنها يمكن هدم محاور كبيرة داخل المخطط.

ويعَدّ مسار إبراهيم من أشد المشروعات خطورة، حيث يتأثر بنسبة كبيرة من المخططات الفرعية والمؤثرات الخارجية التي تحمل الخطورة كالصوفية العالمية، وتلاشي الحدود، وعدم ملكية الأرض لأصحابها، وشبكة الشبكات، وغيرها… بل يتقاطع مع مسار فرسان المعبد والمسار الصوفي، ويتقاطع مع البيئة والمخاطر البيئية. ويؤثر في مخططات فرعية كالسياحة والثقافة ومشروعات ريادة الأعمال والاهتمام بالمرأة، أي أنه يجيد استخدام آليات محفزة. والحديث عن البيئة والمخاطر البيئية الكامنة والمتوقعة هي من أهم المحاور البينية التي يمكن الدخول في إطارها لإجهاض المخطط، فمركزيتها البينية أعلى نقطة، وهذا يعني أننا نحتاج إلى مراجعة سياسات وزارات البيئة العربية والإسلامية وعدم التعاطي مع الطرح التكاملي الغربي لمواجهة مهددات البيئة. هذا ويمثل الانتشار الشبكي على الأرض ضمن مبادرات أصدقاء المسار والشركاء المحليين أكثر المخططات المتقاطعة التي تحمل مركزية بينية هي الأعلى، حيث تتجه البيانات نحو التعبئة والحشد والنزعة المحلية والتغير السلمي والشبكات الاجتماعية وشبكة الشبكات. لذا لا بد من وقف هذا الانتشار الشبكي بأسرع وقت ممكن.

في هذا السياق، يمكننا إعادة قراءة الدبلوماسية الروحية بوصفها السياق الفكري والاستراتيجي للمرحلة الجديدة التي تعد الآن؛ فأمام صعود قوى عالمية جديدة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على رئاسة العالم في ظل نظام متعدد الأقطاب، تطرح الولايات المتحدة (بدعم من حلفائها من المعسكر الغربي) مخطط الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي لضمان تأثيرها ونفوذها وتأمين الموارد، بل والأهم هو تحقيق تصور المسيحية الصهيونية التي تسيطر على الولايات المتحدة، وتتلاقى في طرحها مع الإنجيليين والبروتستانت والكاثوليك في الدول الأوروبية. يمكن قراءة هذا النهج كتصور لمرحلة إعادة الاستعمار بسبل جديدة للاستيلاء على الموارد في ظل ندرتها، وذلك وفقًا للدول الأوروبية الداعمة للكيان الصهيوني في تحقيق حلم أرض إسرائيل الكبرى، والتعجيل بمعركة هرمجدون ونهاية العالم وفقًا لرؤية الإنجيليين بالولايات المتحدة. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحصول على دعم القوى العالمية الجديدة الصاعدة كالصين بمزاعم التهدئة في حربها التجارية التي شنتها على الصين منذ أكثر من عام، بل ووجدت ضالتها في زيارة نائب الرئيس الصيني إلى إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2018 لطلب توسط الآيباك (اللوبي الصهيوني) لدى الولايات المتحدة لتخفيف الحرب التجارية الأمريكية عليها. ومن ثم كان المقابل عدم التدخل في بداية تطبيق المخطط الجديد (الولايات المتحدة الإبراهيمية) الذي تسعى لتنفيذه على الأرض في شمال وشرق سورية، الأمر الذي بدأ يحصد دعمًا روسيًا أيضًا على الجانب الآخر.

خاتمة

هنا يمكن القول مخطط الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي هو جزء من توجه عالمي لسيادة نمط الاتحاد الفدرالي القائم على إنشاء أقاليم جغرافية جديدة بحجة ندرة الموارد بسبب الكوارث البيئية التي يشهدها العالم، ونقص الموارد الواضح لدى دول العلم والتكنولوجيا في العالم القديم، المعسكر الغربي، وهي تعود جذورها في الفكر الأمريكي إلى ما قبل الحرب العالمية. إلا أن ما يميز هذا المخطط هو توجيهه إلى المنطقة من منظور أن بقاءها واستقرارها وفقًا للرؤية الغربية هو مدخل لبقاء واستقرار العالم ككل، كما طرح ويليم أوري صاحب مبادرة مسار إبراهيم. فنهاية العالم ستتحقق وفقًا للتطورات على هذه الأرض وستكون في هذه المنطقة[38].

يمكن طرح أبرز ملامح النظام الجديد في العالم: نشأة أقاليم جديدة قائمة على التكامل الجغرافي والاتحاد السياسي؛ إضعاف الدول القومية واختفاؤها وإعلان نهايتها؛ انتشار نمط الحكم الفدرالي بين أقاليم الحكم الجديدة؛ الحفاظ على البيئة والربط الاقتصادي لتحقيق الرفاه الاقتصادي كمدخل للوصول والقبول بالنظام العالمي الجديد؛ السيطرة على الموارد من جانب الدول الاستعمارية، وانتشار أديان عالمية جديدة تجبّ الأديان السماوية بحجة شمولها وقدرتها على تحقيق السلام الديني العالمي، وبزوغ دين عالمي جديد (الدين الإبراهيمي)؛ لن يكون الارتباط بالأرض سببًا للنزاع؛ ظهور مفهوم المواطن العالمي والجنسية العالمية التي لا ترتبط بالأرض، ونزع القدسية عن الأرض والمدن الدينية مقابل مقدسات جديدة وضعية تحمل اسم الروحي أو الإبراهيمي، والصراعات الجديدة على الموارد ومعيار الحسم فيها هي امتلاك التكنولوجيا؛ حروب دينية بين أنصار الدين الإسلامي السنّة والشيعة وبين الدين الإسلامي والمسيحي وبخاصة الأرثوذكس في الدول العربية والإسلامية، والكراهية هي أحد المداخل المحركة للقبول بالمشترَك الإبراهيمي.

في إطار هذا المخطط الاستعماري الجديد هناك عدد من السياسات المهمة على صانع القرار اتخاذها للجاهزية للتصدي لهذا الخطر في إطار النظر لإسقاط النقاط المحورية البينية على النحو التالي: رفض أية دعوة للحوار بين الأديان الإبراهيمية، بل ورفض نعتها بالإبراهيمية والإصرار أنها ديانات سماوية، ونشر الفكر داخل المؤسسات الدينية المشترَكة في المؤتمرات الدولية التي يجريها رعاة هذا الفكر، والوعي بطرق الغرب لتصدير أساليب التصدي لمواجهة المخاطر البيئية ورفض ما يؤدي إلى التكامل البيئي مع إسرائيل وتركيا، وكذا عدم استخدام التكنولوجيا الإسرائيلية كذريعة للتصدي لتلك المخاطر، لأن التبعات أخطر. مع أهمية تتبع ورصد الوسطاء المحليين وأصدقاء المسار، وإيقاف مسار إبراهيم أو الربط الجغرافي بين دول المنطقة عبر المسار. وأهمية مراجعة دور الجهات الممولة للمسار التي تمول مشروعات أخرى إنسانية في البلدان العربية. يضاف إلى رفض التكامل الإقليمي بحجة ودواعي التكامل البيئي تحت مسمى الولايات المتحدة الإبراهيمية. مع أهمية إعادة النظر في دور جمعيات حفظ التراث اليهودي بالدول العربية، وفي العلاقات العربية - التركية والتصعيد السني – الشيعي، وأهمية العمل على طرح مشروع قومي بديل يجتمع حوله الجميع ويلتفون لتحقيقه، هذا مع ضرورة إعادة النظر في مشروعات الربط الجغرافي مع إسرائيل، والعمل على زيادة ميزانيات البحث العلمي وتشجيع البحث والابتكار. مع ضرورة النظر بحرص حول التاريخ الذي يدرَّس في المدارس الدولية في البلدان العربية ومقرَّر الأخلاق. وفي الختام، من المهم رفض مشروع صفقة القرن ومخطط تقاسم الموارد بحكم ندرتها والافتقار إلى تكنولوجيا ترشيد المورد، مع العمل على تقوية الجامعة العربية وحمايتها من العواصف الخارجية.

 

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 504 في شباط/فبراير 2021. وهي ملخص للكتاب بالعنوان نفسه.

للحصول على الكتاب:

الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي : المخطط الاستعماري للقرن الجديد

للحصول على العدد 504:

مجلة المستقبل العربي العدد 504 شباط/فبراير 2021

هبة جمال الدين محمد العزب: مدرّسة العلوم السياسية والدراسات المستقبلية في معهد التخطيط القومي.

[1]  Katherine Marshall and Marisa van Saanen, Development and Faith: Where Mind, Heart, Soul Work Together (Washington DC, World Bank, 2006) <https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/6729> (accessed on 22 November 2017).

[2]           Ibid.

[3]  David Less, «World Interfaith Harmony Week Message,» Abrahamic Reunion Journal (1 February 2017), <https://www.abrahamicreunion.org/category/journal/> (accessed on 11 November 2017).

[4]  Andrew Preston, Sword of the Spirit, Shield of Faith: Religion in American War and Diplomacy (New York: Alfred A. Knopf, 2012), pp. 409-436.

[5]  Joseph V. Montville, «Track Two Diplomacy: The Work of Healing History,» The Whitehead Journal of Diplomacy and International Relations (Summer-Fall 2006), <https://bit.ly/39i8gGP> (accessed on 11 October 2017).

[6]  عمر بن عيشة، «الدبلوماسیة الروحیة والطرق الصوفیة الجزائریة،» الجزائر نيوز (16 شباط/فبراير 2014)، <https://www.djazairess.com/djazairnews/68816>  (متوافر بتاريخ 2 نيسان/أبريل 2020).

[7]           Montville, Ibid.

[8]  Willie Young, «Be Transformed by the Renewing of Your Minds»: Scriptural Reasoning and the Legacy of Dr. Martin Luther King, Jr.,» paper presented to the Canton Interfaith Association, Canton, Massachusetts, January 2004, <https://abraham.lib.virginia.edu/YouTran.html> (accessed on 15 January 2019), and Universirty of Virginia, Children of Ibrahamic Institute Official Website, about the Institute, <http://abraham.lib.virginia.edu/studentuva.html> (accessed on 5 November 2017).

[9]           Montville, Ibid.

[10]  استنادًا إلى عدد أنصار أتباع الديانات السماوية وبخاصة أن نحو 32 بالمئة من سكان العالم مسيحيون (2.2 مليار نسمة)، و23 بالمئة مسلمون (نحو 1.6 مليار نسمة) و0.2 بالمئة يهود (نحو 14 مليون نسمة)، أي أن ما يزيد على 56 بالمئة من سكان العالم إبراهيميون. لمزيد من التفاصيل انظر: Howard Steven Friedman, «5 Religions with the Most Followers,» Huffington Post, 25/4/2011, <https://bit.ly/33oa51d>, accessed on 25/06/2011.

[11]  The International Center for Religious and Diplomacy, Washington, DC, http://icrd.org/approach/, (accessed on 16 November 2017).

[12]  Thomas Walsh, «The Abrahamic Faiths and Universalism: Faith-Based Actors in a Complex World,» Keynote Speech at the 2016 Annual International Conference on Ethnic and Religious Conflict Resolution and Peacebuilding Theme: «One God in Three Faiths: Exploring the Shared Values in the Abrahamic Religious Traditions – Judaism, Christianity and Islam» International Center for Ethno-Religious Mediation, New York City, 2 November 2016, <https://bit.ly/3o4tTif> (accessed on 22 March 2019).

[13]  مصطلح أطلقه الكاهن بولس السادس في الأردن خلال إعلان للكنيسة في ما يتعلق بالأديان غير المسيحية عام 1965 «رسالة عمان المعطاة».

[14]  Allen Keiswetter and Bishop John Chane, «Diplomacy and Religion: Seeking Common Interests and Engagement in a Dynamically Changing and Turbulent World,» The Brookings Project on U.S. Relations with the Islamic World, U.S.-Islamic World Forum Papers 2013 and Saban Center for Middle East Policy at Brookings, (November 2013), <https://brook.gs/3q44R4z> (accessed on 5 November 2017).

[15]  Kimberlyn Leary, James K. Sebenius and Joshua Weiss, eds., Negotiating the Path of Abraham, Working Paper, Harvard Negotiation Project and Abraham Path Initiative, Draft; v3.9 (21 December 2009), <https://www.hbs.edu/faculty/Publication%20Files/10-049.pdf> (accessed on 22 March 2019).

[16]  ألن كيسويتر وجون شاين، «الدبلوماسية والدين: البحث عن مصالح مشتركة والانخراط في عالم من الاضطرابات والتغيرات الديناميكية،» أوراق بحثية لمنتدى مشروع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي التابع لمعهد بروكنغز لعام 2013، معهد بروكنغز، واشنطن، تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ص 7، <https://brook.gs/2V76nVf> (متوافر بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017).

[17]  Kamran Mofid, «Sustainable Development Goals: Where is the Common Good,» Globalisation for the Common Good Initiative (GCGI), Yale Forum on Religion and Ecology (June 2015), <https://bit.ly/3q5ciIK> (accessed on 20 January 2018).

[18]  Keiswetter and Chane, «Diplomacy and Religion: Seeking Common Interests and Engagement in a Dynamically Changing and Turbulent World».

[19]  Shahidur Talukdar, «Pursuing Sustainability: A Case for Regional Approach,» Community Change, vol. 2, no. 1 (2018), <https://doi.org/10.21061/cc.v2i1.a.14>, (accessed on 11 November 2019).

[20]  Elizabeth Rabia Roberts and Elias Amidon, «Path of the Friend,» Institute for Nature and the Human Spirit, Boulder, CO, <http://pathofthefriend.org/global-diplomacy> (accessed on 11 August 2018).

[21]  University of Virginia, Children of Ibrahamic Institute Official Website, about the Institute, <http://abraham.lib.virginia.edu/studentuva.html> (accessed on 5 November 2017).

[22]  جيفري مارتيني، هيذر ويليامز ووليام يونغ، «مستقبل العلاقات الطائفية في الشرق الأوسط،» منظور تحليلي، مركز السياسات الاستخبارية التابع لمعهد أبحاث للدفاع الوطني (RAND) <https://bit.ly/2KKiZQi> (متاح بتاريخ 11 شباط/فبراير 2019).

[23]  Francis Fukuyama, «Transitions to the Rule of Law,» Journal of Democracy, vol. 21, no. 1 (January 2010), pp. 31-44, <https://bit.ly/2V9CZxv> (accessed on 15 January 2019).

[24]  Keiswetter and Chane, «Diplomacy and Religion: Seeking Common Interests and Engagement in a Dynamically Changing and Turbulent World».

[25]  مصدر من وزارة الخارجية الأمريكية، إدارة الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني، تشرين الأول/أكتوبر 2017.

[26]         Keiswetter and Chane, Ibid.

[27]  U.S. Department of State, the Office of Religion and Global Affairs (S/RGA), <https://www.state.gov/s/rga/> (accessed on 23 November 2017).

[28]  Azza Karam, ed., Realizing the Faith Dividend Religion, Gender, Peace and Security in Agenda 2030, Technical Report (New York: United Nation Population Fund, 2016), <https://www.unfpa.org/sites/default/files/pub-pdf/50426_UNFPA_Donor-UN-FBO-Consultations_Web.pdf> (accessed on 20 January 2018), and Interfaith Network for the UK, Interfaith Week, <http://www.interfaithweek.org/static/privacy> (accessed at 20 January 2018).

[29]  Leary, Sebenius and Weiss, eds., Negotiating the Path of Abraham, p. 35, <https://www.hbs.edu/faculty/Publication%20Files/10-049.pdf> (accessed on 15 April 2019); Abraham Path Initiative, Steps Along the Path: Annual Report 2013 (Massachusetts: Harvard Business School, 2013), <https://www.scribd.com/document/228331532/Annual-Report-2013-Abraham-Path-Initiative> (accessed on 22 March 2019), and Cate Malek, «Geotourism Challenge 2009: Power of Place – Sustaining the Future of Destinations,» Change Makers, <https://bit.ly/3mn32gH> (accessed on 12 April 2019).

[30]  Kimberlyn Leary, James K. Sebenius and Joshua Weiss, eds., Negotiating the Path of Abraham, and Abraham Path Initiative, Steps Along the Path: Annual Report 2013, and Malek, Ibid.

[31]  الصراع حول الهوية يعيد مقولات الصهيونية حول تغيير وتلاشي الهوية العربية وتحديث الشخصية العربية عبر تدميرها والقضاء عليها، فتغيير الكينونة هو المحرك نفس المبررات. فضلًا عن أن ذلك فيه تزييف لحقيقة الصراع وفيه ضياع للحق العربي.

[32]  أي دراسته من خلال تحليلها إلى العناصر المكونة لها بدون الأخذ في الحسبان عوامل خارجية عنها كالأسس الفكرية والعقيدية. ومن ثم يجرد الصراع العربي- الإسرائيلي من ثوابته.

[33]  Kimberlyn Leary, James K. Sebenius and Joshua Weiss, eds., Negotiating the Path of Abraham, p. 35.

[34]  Adam Eliyahu Berkowitz, «Sanhedrin Invites 70 Nations to Hanukkah Dedication of Altar for the Third Temple,» Breaking Israel News (29 November 2018), <https://bit.ly/3o98vIx> (accessed on 11 March 2019), and Israel21c Staff, «Sanhedrin Trail to be Israel’s First Interactive Hiking Path,» <https://bit.ly/2Vjdjii>, 8 May 2017 (accessed on 11 March 2019).

[35]  Yoel Oz, «The CommonWealth of Abrahamic States,» The Times of Israel, 30/7/2013, <https://blogs.timesofisrael.com/the-commonwealth-of-abrahamic-states/> (accessed on 3 April 2020).

[36]   موسوعة المعرفة، <https://bit.ly/36mQ9hb> (متوافرة بتاريخ 11 آذار/مارس 2019).

[37]  فرزند شيركو، «النظام الاتحادي الديمقراطي الجديد في شمال سوريا،» منتدى فكرة – معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 27 أيار/مايو 2016، <https://bit.ly/2VfC0Mv>.

[38]  Maj. Bart R. Kessler, «Bush’s New World Order, the Meaning behind the Words,» A Research Paper Presented to the Research Department Air Commander Staff College, the Partial Fulfillment of the Graduation Requirement of ACSC, <https://www.bibliotecapleyades.net/sociopolitica/esp_sociopol_nwo72.htm> (accessed on 13 March 2019).

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *